على مدار عقود، ارتبط اسم المخرج أحمد عبد الجليل بالحركة المسرحية في الأقاليم، بعدما قاد ما يزيد على 120 فرقة مسرحية في مختلف محافظات مصر، منذ بداياته في المنصورة، حيث وُلد عام 1952، تنقّل بين خشبات المسرح من أسوان إلى الإسكندرية، حاملًا على عاتقه هموم المسرح الإقليمي، ومؤمنًا بدوره في اكتشاف المواهب وترسيخ الثقافة المسرحية خارج العاصمة.
وفي يونيو الماضي، جاء اختيار عبد الجليل ضمن القائمة القصيرة لجائزة الدولة للتفوق في الفنون لعام 2026، ليعكس تقديرًا لمسيرته الطويلة وإسهاماته في إثراء الحركة المسرحية المصرية، ويؤكد المكانة التي يحظى بها بين أبناء الوسط الثقافي والفني.
في هذا الحوار، يتحدث أحمد عبد الجليل عن دلالات هذا الترشيح، ورؤيته لواقع المسرح في الأقاليم، وأبرز محطات رحلته الممتدة لعقود، كما يكشف عن التحديات التي واجهها، ورؤيته لمستقبل الحركة المسرحية في مصر.
- ماذا يعني لك ترشيحك لجائزة الدولة للتفوق في الفنون؟
كان شعورًا جميلًا، لأن الإنسان يشعر في مثل هذه اللحظات أن سنوات عمره وجهده لم تذهب سدى، وأن هناك من يقدّر ما قدمه. وأعتبر هذا الترشيح مكافأة من الله قبل أي شيء، ورسالة بأن الاجتهاد والإخلاص لا يضيعان. كما أنني لا أنظر إليه باعتباره تكريمًا لشخصي فقط، بل أراه اعترافًا بقيمة المسرح الإقليمي ورسالة تؤكد أن الإبداع لا يقتصر على العاصمة وحدها. أما الجوائز، فأعتقد أنها تنصف المبدعين أحيانًا، لكن لا يزال هناك كثيرون يستحقون التكريم والتقدير لما قدموه من إسهامات حقيقية.
- بالعودة إلى البدايات.. كيف بدأت رحلتك مع المسرح؟
بدأت علاقتي بالمسرح وأنا تلميذ في المرحلة الابتدائية، كان أستاذ الدراسات الاجتماعية إبراهيم الدسوقي، وهو أحد نجوم فرقة المنصورة القومية المسرحية، يلاحظ اهتمامي بالتمثيل عندما كنا نقدم اسكتشات في المدرسة. دعاني ذات يوم إلى حضور بروفات الفرقة، وهناك كانت البداية الحقيقية.
أول عمل شاركت فيه كان مسرحية "موتى بلا قبور" للمخرج الراحل عبد الغفار عودة، ثم قدمت بعد ذلك "مأساة جميلة"، ومنذ تلك اللحظة أدركت أن المسرح هو عالمي الحقيقي.
- على مدار هذه المسيرة المسرحية، مَن أكثر الشخصيات التي أثرت في تكوينك الفني؟ وكيف انعكس ذلك على فلسفتك في الإخراج واختيار النصوص؟
تأثرت بعدد كبير من المبدعين، في مقدمتهم الدكتور حسين جمعة، والأستاذ محمود حافظ، والأستاذ عبد الله عبد العزيز، والأستاذ سيد راضي، والمخرج الكبير فؤاد الجزايرلي. كما كان للشاعر الكبير أحمد فؤاد نجم تأثير إنساني وفني بالغ في حياتي، إذ عشنا معًا تجربة استمرت ستة أشهر في أثناء إعداد مسرحية "شحتوت العظيم"، وكانت مدرسة حقيقية في الفن والحياة.
أما على مستوى الإخراج، فأنا لا أنحاز إلى مدرسة مسرحية بعينها، وإنما أنحاز إلى المسرح الذي يخدم الإنسان، وأؤمن بأن المسرح يجب أن يحمل رسالة، ويسهم في تطوير وعي الناس، وأن يجمع بين المتعة والفكر، لأن الفن الحقيقي هو الذي يترك أثرًا في المجتمع.
وبناءً على هذه الرؤية، أختار النصوص التي أقدمها. أحيانًا تصلني نصوص من مؤلفين أثق فيهم، وأحيانًا أختارها بنفسي من خلال القراءة. أمتلك مكتبة تضم ما يقرب من خمسة آلاف كتاب ونص مسرحي، لذلك تظل القراءة المستمرة هي المصدر الأساسي لاختيار الأعمال التي أقدمها.
- كيف تقيم واقع المسرح في الدقهلية والمسرح الإقليمي بشكل عام؟ وهل حصل على ما يستحقه من الاهتمام؟
للأسف، حال المسرح في الدقهلية لا يرضي أحدًا، رغم وجود شباب موهوب قادر على صناعة نهضة حقيقية إذا توافرت له الإدارة الواعية والدعم المناسب. وفي رأيي، كان المسرح الإقليمي يحظى في السبعينيات والثمانينيات باهتمام أكبر، لأن من كانوا يديرون الحركة المسرحية آنذاك كانوا قامات فنية تمتلك الخبرة والرؤية، أما اليوم، نحن بحاجة إلى إعادة تأهيل المنظومة الإدارية حتى تستعيد الأقاليم دورها الحقيقي.
- هل ما زالت الفجوة قائمة بين المسرح في القاهرة ونظيره في المحافظات؟ وما أسبابها؟
في الماضي لم تكن هناك فجوة كبيرة، لأن كبار مخرجي القاهرة كانوا يعملون أيضًا في الأقاليم، وهو ما منح الحركة المسرحية حيوية وتبادلًا للخبرات. أما اليوم فأصبحت الفجوة أكبر، فما زالت القاهرة تمثل المركز الرئيسي للحركة المسرحية، بينما تُعامل المحافظات باعتبارها أطرافًا. ومع ذلك، فإن فرص المبدعين لا ترتبط بالمكان فقط، بل بما يقدمونه أيضًا، وإن كنت أرى أن كثيرًا من شباب الأقاليم يحتاجون إلى مزيد من الالتزام والثقافة المسرحية حتى يحصلوا على فرص أوسع.
- برأيك، هل يعاني المسرحيون في الأقاليم من التهميش، أم أن المشكلة تكمن في عوامل أخرى؟
لا أرى أن التهميش هو المشكلة الأساسية، بقدر ما أرى أن هناك ضعفًا في إبراز التجارب الجيدة وإيصالها إلى الجمهور والمسؤولين، وأحيانًا يهمش بعض المبدعين أنفسهم بسبب عدم الاجتهاد أو التطوير المستمر. وفي المقابل، تمتلك الأقاليم طاقات ومواهب بكرًا، والدليل أن كثيرًا من نجوم المسرح في القاهرة كانت بداياتهم الحقيقية في المحافظات.
- ما أبرز التحديات التي تواجه المسرح الإقليمي اليوم؟ وكيف يمكن استعادة مكانته؟
أبرز التحديات تتمثل في ضعف الإمكانات الإنتاجية، والمشكلات الإدارية، وغياب الكوادر المتخصصة القادرة على إدارة العمل المسرحي. ولإعادة المسرح الإقليمي إلى مكانته، نحن بحاجة إلى تنظيم إداري حقيقي، وإلى كوادر مؤهلة تمتلك الخبرة، كما أرى ضرورة عودة المسرح إلى حضن المحافظات كما كان في الماضي، بحيث تتحمل كل محافظة مسؤولية فرقتها المسرحية، لأن هذا النموذج أثبت نجاحه لسنوات طويلة.
- إذا أتيحت لك فرصة العودة إلى أحد أعمالك، أي العروض ستختار؟ وما الذي يجعلها الأقرب إلى قلبك؟
أتمنى إعادة تقديم عروض "شحتوت العظيم"، و"شبح الأوبرا"، و"شهرزاد"، و"الموت"، و"فارس الملك"، ولكن برؤية جديدة تناسب المرحلة الحالية. ويظل "شحتوت العظيم" الأقرب إلى قلبي، ليس فقط لقيمته الفنية، وإنما لأنه ارتبط بتجربة إنسانية استثنائية مع الشاعر الكبير أحمد فؤاد نجم، الذي عاش معنا ستة أشهر كاملة في أثناء إعداد العرض، وكانت تلك الفترة من أهم المحطات في حياتي الفنية والإنسانية.
- ما الرسالة التي تود توجيهها إلى شباب المسرحيين الذين يحلمون بالسير على خطاك؟
أنصحهم بأن يقرأوا كثيرًا، لأن القراءة هي أساس تكوين الفنان الحقيقي، وأن يتحلوا بالالتزام والانضباط، وألا يستعجلوا النجاح. المسرح ليس طريقًا قصيرًا، بل رحلة طويلة تحتاج إلى الصبر والاجتهاد والإخلاص، ومن يخلص لفنه سيجني في النهاية ثمرة ما زرعه.