من المنصورة إلى كتارا.. محمود سمرة: الرواية تؤرخ للمجتمع (حوار)

محمود سمرة

كتب/ت سلمي الهواري
2026-07-19 16:37:38

على مدار سنوات، شق الباحث والناقد الأدبي محمود سمرة، 37 عامًا، خريج كلية الآداب بجامعة المنصورة، طريقه في مجال النقد الأدبي، مستندًا إلى شغف مبكر باللغة العربية والبحث الأكاديمي، واهتمامه بقضايا الرواية العربية وتحولاتها الثقافية والاجتماعية. ومن المنصورة، حيث تشكلت ملامح تجربته الأولى، واصل رحلته البحثية بين الدراسة والمشاركة في الفعاليات الثقافية، حتى أصبح أحد الأصوات النقدية الشابة في المشهد الأدبي.

ومؤخرًا، وصل سمرة إلى القائمة الطويلة لجائزة كتارا للرواية العربية 2025 في فرع الدراسات النقدية، بعد اختيار دراسته "شعرية الوثيقة وسرديات التحول" ضمن أفضل الأعمال المشاركة، في إنجاز يضيف محطة جديدة إلى مسيرته واهتمامه بالرواية العربية.

وتُعد جائزة كتارا للرواية العربية واحدة من أبرز الجوائز الأدبية في العالم العربي، إذ أُطلقت عام 2014 بمبادرة من المؤسسة العامة للحي الثقافي "كتارا" في قطر، بهدف دعم الإبداع الروائي والنقدي.

في هذا الحوار، يتحدث محمود سمرة عن كواليس وصول دراسته إلى القائمة الطويلة، وفكرة البحث وأبرز نتائجه، ورؤيته لواقع النقد الأدبي في مصر والعالم العربي، كما يستعرض محطات رحلته من المنصورة إلى إحدى أبرز الجوائز الأدبية العربية، والتحديات التي تواجه الباحثين الشباب.

  • في البداية، كيف تلقيت خبر وصول دراستك إلى القائمة الطويلة لجائزة كتارا للرواية العربية؟

تلقيت الخبر بسعادة كبيرة وتفاؤل، فالناقد يقضي سنوات طويلة في عزلة بحثية، منشغلًا بتفكيك النصوص وبناء أدواته المنهجية. وعندما تحظى دراسة بهذا التقدير في محفل عربي كبير مثل جائزة كتارا، يشعر الباحث بأن جهده وصل إلى المكان الذي يستحقه، وأن سنوات العمل لم تذهب سدى.

  • ماذا يمثل لك هذا الترشح على المستويين الشخصي والمهني؟

لا يمكن الفصل بين الجانبين الشخصي والمهني، لأن الترشح يُمثل تقديرًا لمسيرة بحثية امتدت لسنوات، ويمنحني ثقة أكبر في المنهج الذي اتبعته. أما على المستوى الشخصي، فهو يزيدني إصرارًا وتفاؤلًا، وأتمنى أن تُكلل هذه الرحلة بالفوز.

  • ما الذي يميز جائزة كتارا للرواية العربية؟ وهل تمنح الجوائز النقد الأدبي المكانة نفسها التي تمنحها للرواية؟

جائزة كتارا ليست مجرد جائزة أدبية، بل منصة تُسهم في خلق حوار أدبي عربي واسع حول الأعمال المرشحة، والوصول إلى قوائمها يعني عرض المشروع البحثي أمام لجان تحكيم متخصصة وجمهور يمتد من المحيط إلى الخليج، وهو ما يمنح المشاركة قيمة علمية ومعنوية كبيرة.

وأعتقد أن الصورة بدأت تتغير، فهناك وعي متزايد بأهمية الدراسات النقدية، انعكس في تخصيص جوائز ومساحات أكبر لها، لكن الاحتفاء الحقيقي بالنقد لا يقتصر على الجوائز، بل يتجلى عندما يصبح العمل الأدبي محل قراءة ونقاش، لأن النقد يمنح النص حياة جديدة، ويثري تجربة الكاتب والقارئ معًا. 

وفي الوقت نفسه، لا تزال الساحة بحاجة إلى إنتاج نقدي عربي أصيل، ينطلق من واقعنا الثقافي ويطور أدواته الخاصة، مع الاستفادة من المناهج النقدية العالمية.

  • حدثنا عن الدراسة المرشحة.. ما فكرتها الرئيسية والقضية التي تتناولها؟

تنطلق دراسة "شعرية الوثيقة وسرديات التحول" من فكرة أن الرواية ليست مجرد عمل فني، بل وثيقة ثقافية واجتماعية تحفظ الذاكرة، وتعيد قراءة التاريخ من منظور مختلف، وتناقش الدراسة كيف استخدم الروائيون التوثيق بوصفه أداة لمقاومة النسيان، وتحويل تفاصيل الحياة اليومية والهوامش إلى جزء من التاريخ.

كما ترصد التحولات الحضارية المتسارعة التي شهدتها المنطقة العربية، وكيف تحولت الرواية إلى ما يشبه "المؤرخ البديل"، الذي يعيد ترميم الذاكرة ويحافظ على الهوية في مواجهة هذه التغيرات.

  • لماذا اخترت هذا الموضوع تحديدًا ليكون محور دراستك؟

جاء اختياري لهذا الموضوع انطلاقًا من إيماني بأن الأدب ليس مجرد مساحة للخيال أو الترفيه، بل رسالة ثقافية قادرة على قراءة المجتمع وتوثيق تحولاته. كما أن معايشتي للحراك الثقافي والاجتماعي في قطر على مدار نحو تسع سنوات منحتني فرصة لمتابعة مجتمع يشهد تغيرات تاريخية متسارعة، ورأيت كيف استطاعت الرواية أن تعكس هذه التحولات وتوثقها برؤية فنية وإنسانية، وهو ما دفعني إلى تناول هذه التجربة بالدراسة النقدية.

  • ما أبرز النتائج أو الإضافات التي تقدمها الدراسة إلى حقل النقد الأدبي؟

توصلت الدراسة إلى عدد من النتائج، أبرزها أن مفهوم الوثيقة في الرواية العربية لم يعد يقتصر على المخطوطات أو الوثائق التقليدية، بل امتد ليشمل الذاكرة، والأشياء اليومية، والجسد، وحتى الأرشيف الرقمي. كما أوضحت أن الرواية أصبحت تؤدي دور "المؤرخ البديل" من خلال استعادة أصوات المهمشين، وإعادة قراءة التاريخ بعيدًا عن الرواية الرسمية، فضلًا عن رصد صدمة التحولات العمرانية وتأثيرها في الهوية والذاكرة.

  • ما أبرز التحديات التي واجهتك أثناء إعداد الدراسة؟ وكيف تعاملت معها؟

واجهت عدة تحديات، في مقدمتها ندرة الدراسات العربية التي تناولت هذا المنهج النقدي، إلى جانب طبيعة المنهج نفسه، الذي يجمع بين الأدب والتاريخ والاجتماع والسياسة، وكان التحدي الأكبر هو تحقيق التوازن بين الإفادة من النظريات الحديثة، والحفاظ على خصوصية النص العربي، بحيث تخدم النظرية العمل الأدبي، لا أن تُفرض عليه.

  • خلال إعداد الدراسة، هل توصلت إلى أن بعض الأحكام النقدية السائدة حول الرواية العربية تحتاج إلى إعادة نظر؟

لا أحب إصدار أحكام قاطعة بأن الدراسات السابقة كانت مخطئة، لأن النقد بطبيعته يقوم على تعدد الرؤى ووجهات النظر، لكن ما سعت إليه دراستي هو التأكيد على أن الرواية العربية تمتلك خصوصيتها، وأنها ليست مجرد عمل أدبي، بل وسيلة لفهم التاريخ والمجتمع والإنسان، وقد أثبتت قدرتها على تقديم قراءة مختلفة للواقع، بعيدًا عن التوثيق التقليدي.

  • كيف تقيم واقع النقد الأدبي في مصر والعالم العربي في الوقت الراهن؟

يشهد المشهد الأدبي إنتاجًا غزيرًا، لكن هذا الزخم لا يقابله نشاط نقدي بالقدر نفسه، وأرى أن النقد يحتاج اليوم إلى حركة أكثر فاعلية، تدعم الأعمال الجادة وتسهم في تطويرها، إلى جانب إنتاج نظريات نقدية تنطلق من واقعنا الثقافي، مع الاستفادة الواعية من المناهج العالمية دون الوقوع في أسرها أو نقلها بصورة حرفية.

  • هل يحظى النقد الأدبي بالاهتمام الذي يستحقه مقارنة بالرواية والشعر؟

المسألة نسبية، لكنها تمثل مسؤولية مشتركة بين المؤسسات الثقافية، ودور النشر، والنقاد أنفسهم. صحيح أن الرواية والشعر يحظيان بحضور أكبر، لكن ذلك يعود أيضًا إلى قلة الإنتاج النقدي مقارنة بالإنتاج الإبداعي. 

كما أن كثيرًا من النقاد يمارسون الإبداع الأدبي إلى جانب النقد، فيمنحون أعمالهم الإبداعية أولوية على مشروعاتهم النقدية، لذلك نحن بحاجة إلى دعم أكبر للكتاب النقدي وتشجيع نشره.

  • ما أبرز التحديات التي تواجه النقاد والباحثين الشباب اليوم؟

تتمثل أبرز التحديات في غياب نظريات نقدية عربية أصيلة تنبع من واقعنا الثقافي، إلى جانب الاعتماد المفرط على المناهج الوافدة. 

كما يواجه الباحث الشاب صورة نمطية تعتبر الناقد أقل إبداعًا من الروائي أو الشاعر، بينما أرى أن الناقد شريك في إنتاج المعنى، ويؤدي دورًا أساسيًا في تطوير الحركة الأدبية، وليس مجرد مُقيِّم لها.

  • على الصعيد الشخصي.. مَن أبرز الأدباء والنقاد الذين كان لهم تأثير في تكوينك الفكري؟

تأثرت بعدد من المفكرين والنقاد، من بينهم ميشيل فوكو، وإدوارد سعيد، وستيفن جرينبلات، وبول ريكور، كما استفدت، عربيًا، من كتابات الدكتورة سيزا قاسم والدكتور عبد الله الغذامي، فكان لهم أثر كبير في تشكيل وعيي النقدي، إذ تعلمت منهما أهمية القراءة المتأنية، والحياد، واحترام النص قبل إصدار الأحكام عليه.

  • إلى أي مدى أسهمت الدقهلية وتحديدًا المنصورة، في تشكيل تجربتك الأدبية والنقدية؟

للبيئة أثر كبير في تكويني، لأن الدقهلية تمتلك تاريخًا ثقافيًا غنيًا، وتضم عددًا من الأدباء والنقاد الذين أسهموا في إثراء الحركة الأدبية. ومن خلال نادي القصة، وقصر ثقافة المنصورة، واتحاد الكتاب، أتيحت لي فرصة الاحتكاك المباشر بالمبدعين والاستماع إلى تجارب متنوعة، وهو ما صقل رؤيتي، وعزز إيماني بأن الحوار والنقاش هما أساس أي تجربة نقدية حقيقية.

  • ما أبرز مشاريعك البحثية أو الأدبية خلال المرحلة المقبلة؟

أركز حاليًا على استكمال رسالة الماجستير في مجال "نقد النقد"، الذي يهتم بدراسة الخطابات النقدية نفسها، ومحاولة الإجابة عن سؤال: كيف يقرأ النقاد الأدب؟ كما أسعى إلى مواصلة مشروعي البحثي في النقد الأدبي، وتقديم دراسات جديدة تواكب تطورات المشهد الثقافي العربي.