فاز بالمركز الثاني.. "مشروع تخرج" يوثق اختلاف اللهجات في قلب القاهرة

كتب/ت سلمي الهواري
2026-06-21 11:28:55

في شارع واحد قد تسمع أكثر من لهجة، وترى أكثر من ثقافة، وتلتقي بأشخاص يحمل كل منهم حكاية مختلفة. هذا المشهد الذي يبدو عاديًا في الحياة اليومية للمصريين تحوّل إلى مشروع تخرج لعدد من طلاب قسم اللغة الإنجليزية بجامعة المنصورة، قرروا النزول إلى الشارع والاستماع إلى الناس بدلًا من الاكتفاء بالبحث داخل الكتب والدراسات.

ومن هنا وُلد مشروع Cultural Street Quest، الذي نجح في حصد المركز الثاني في مشروعات التخرج بجامعة المنصورة في 11 يونيو الجاري، بعد أن قدّم رؤية توثيقية لاختلاف الثقافات واللهجات داخل شوارع القاهرة، من خلال مقابلات ميدانية مع مصريين وأجانب، إلى جانب إنشاء موقع إلكتروني يضم محتوى المشروع ويتيح الاستفادة منه للباحثين والزوار.

ويقف وراء المشروع فريق MOSAIC من طلاب الفرقة النهائية بقسم اللغة الإنجليزية بكلية الآداب، والذي يضم عمرو وائل، المرشد ومطور المشروع، ومنة محمود، منسقة الفريق، إلى جانب منة صلاح، ومحمد رضا، وليلى أحمد، وإيمان مهدي، ومروة ناصر، وشروق عبد الحكيم، وميرفت فؤاد، وأماني محمد.

لم يكن اختيار اسم الفريق مجرد صدفة، بل جاء ليعكس طبيعة التجربة التي خاضها أعضاؤه. وتقول منة صلاح إبراهيم، 22 عامًا: "كلمة MOSAIC تعني الفسيفساء، وهي فن تكوين لوحة متكاملة من أجزاء مختلفة الألوان والأشكال".

القاهرة.. معمل مفتوح للثقافات

تعود الشرارة الأولى للفكرة إلى منة محمود، منسقة الفريق، التي كانت تبحث عن مشروع تخرج مختلف: "كنا نريد تنفيذ مشروع من أرض الواقع، وليس مجرد فكرة نظرية". خلال إحدى جلسات النقاش، لاحظ أعضاء الفريق اختلاف بعض الكلمات واللهجات بينهم رغم انتمائهم إلى محافظة واحدة، وهو ما فتح باب التساؤلات حول أسباب هذا التنوع وكيفية تأثيره على التواصل بين الناس.

تقول منة: "سألنا أنفسنا: إذا كان هذا الاختلاف موجودًا بيننا، فكيف يكون الوضع في مدينة كبيرة ومتنوعة مثل القاهرة؟ ومن هنا بدأت الفكرة تتبلور".

عندما بدأ الفريق في اختيار موقع الدراسة الميدانية، كانت القاهرة هي الوجهة الأولى. ويقول محمد رضا: "القاهرة على مدار سنوات طويلة استقبلت أشخاصًا من محافظات مختلفة ومن دول عديدة، وكل مجموعة تركت بصمتها الخاصة فيها ولكل منها طريقة حديث".

وبعد موافقة المشرفين على الفكرة، بدأ الفريق في إعداد خطة العمل، من تحديد الأسئلة المناسبة واختيار أماكن التصوير، إلى تنظيم الرحلات الميدانية وإجراء المقابلات مع المواطنين.

وخلال العمل الميداني، اكتشف الفريق أن قضية اللهجات والثقافات أكثر تعقيدًا مما كانوا يتوقعون. توضح ليلى أحمد: "في البداية اعتقدنا أن اختلاف اللهجات يرتبط بالمحافظات المختلفة فقط، لكننا اكتشفنا أن الاختلاف قد يكون موجودًا داخل الأسرة الواحدة".

وتضيف شروق عبد الحكيم: "هذا التنوع يؤثر بشكل مباشر على التواصل بين الناس، سواء داخل المجتمع أو في التعامل مع الأجانب".

ومن خلال المقابلات التي أجراها الفريق مع مصريين وزوار من جنسيات مختلفة، حاول الطلاب فهم أسباب تغير اللهجات من مكان إلى آخر، والعوامل المؤثرة في تشكيل الثقافة المحلية، ومدى انعكاس ذلك على العلاقات والتواصل بين الأفراد.

من الكاميرا إلى الموقع الإلكتروني

لم يتوقف المشروع عند حدود التوثيق الميداني أو المقابلات المصوّرة، بل تطوّر ليشمل إنشاء موقع إلكتروني يضم محتوى المشروع بالكامل. تقول ميرفت: "فكرة الموقع جاءت بعد الاحتكاك المباشر بالأجانب خلال تنفيذ المشروع، إذ لاحظ الفريق وجود صعوبات تواجه بعض الزوار في فهم الكلمات المحلية واللهجات المختلفة".

ويضم الموقع مجموعة من الكلمات والمصطلحات المستخدمة في مناطق مختلفة، إلى جانب ترجماتها وشروحها وأمثلة من الحياة اليومية، بما يساعد المصريين والأجانب على فهم الفروق الثقافية واللغوية بصورة مبسطة.

أكثر من مشروع تخرج

اعتمد الفريق خلال رحلته على مجموعة من المصادر والأدوات المختلفة، من بينها محرك البحث جوجل، وخرائط جوجل، ويوتيوب، وتقنيات الذكاء الاصطناعي مثل ChatGPT، إلى جانب الاستعانة بالسكان المحليين للحصول على معلومات واقعية من أرض الميدان.

وخلال رحلة العمل، ظهرت نقاط القوة الخاصة بكل عضو، وهو ما ساهم في نجاح التجربة، مؤكدين أن أكثر ما تعلموه هو أن الاختلاف ليس عائقًا، بل مصدر قوة ومعرفة.

تقول منة: "كل شخص في الفريق كان مختلفًا عن الآخر، ولكل واحد شخصيته ومهاراته الخاصة، لكن عندما اجتمعنا معًا كوّنا لوحة جميلة تشبه الفسيفساء تمامًا".

وبين شوارع القاهرة، وعدسات الكاميرات، وساعات النقاش الطويلة، نجح فريق MOSAIC في تحويل ملاحظات يومية عابرة إلى مشروع يوثق جانبًا من التنوع الثقافي واللغوي داخل المجتمع المصري، مقدمًا تجربة تثبت أن أبسط التفاصيل التي نعيشها كل يوم قد تتحول إلى قصة تستحق أن تُروى.