"جسد بلا صوت" نساء يروين تجاربهن مع العنف الطبي داخل غرف الولادة

تصميم| باشكاتب

كتب/ت قلم المنصورة
2026-06-17 17:44:56

"كنت مجرد جسد بلا رأي" بهذه الكلمات بدأت أمل محمود، 38 عامًا، سرد تجربتها في غرفة الولادة:"دخلت غرفة العمليات وأنا مرعوبة، ليس فقط من الولادة نفسها، بل من تعامل الأطباء والممرضات. عندما صرخت من شدة الألم، صاحت الطبيبة في وجهي: اسكتي، مش أول واحدة تولد".

تضيف المرأة الثلاثينية عن تعنيفها بأحد المستشفيات في أثناء الولادة: "لم يكن هناك أي نوع من التعاطف، فقط أوامر قاسية، وإهمال متعمد. سُمعت ألفاظ خادشة للحياء، وكأننا لا نستحق الاحترام، بعد الولادة، بدأت أنزف بشدة، لكن لم يستجب أحد لصراخي إلا بعد ساعات، وكأن مهمتهم انتهت بمجرد ولادة الطفل".

ودعت المبادئ التوجيهية لرعاية الأمومة التي تضعها منظمة الصحة العالمية إلى "رعاية صحية تحترم جميع النساء" وتضمن لهن المعاملة الكريمة "والخصوصية والسرية" وعدم تعرضهن للأذى وسوء المعاملة، بالإشارة إلى أن العنف التوليدي هو مشكلة عالمية تعاني فيها النساء من إساءة أو معاملة مُهينة أو إهمال في أثناء الولادة بالمستشفيات ومراكز الرعاية الصحية. 

بيد أن شهادات استمعت لها "قلم المنصورة" تكشف أن ما تنص عليه هذه المبادئ لا ينعكس دائمًا على أرض الواقع داخل بعض المستشفيات، حيث تروي نساء تجارب متكررة من التعنيف اللفظي والإهمال أثناء الولادة أو الكشف الطبي.

وانتشرت مؤخرًا وقائع منسوبة إلى مستشفى الشاطبي الجامعي بمحافظة الإسكندرية، حول تعرض نساء إلى تعنيف ومعاملة غير إنسانية في أثناء عمليات الولادة، وفي هذا السياق، أصدرت نقابة الأطباء بيانًا أوضحت فيه أنها لم تتلقَّ حتى الآن أي شكوى رسمية موثقة بشأن الوقائع المتداولة.

ودعت النقابة كل من لديه معلومات أو أدلة، أو من تعرض لواقعة تستوجب التحقيق، إلى التقدم بشكوى رسمية موثقة إلى نقابة الأطباء، أو إدارة المستشفى، أو كلية الطب بجامعة الإسكندرية، أو الجهات الرقابية المختصة، أو النيابة العامة، لاتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة.

وأكدت النقابة أن أي تجاوز أو خطأ مهني، في حال ثبوته بعد التحقيقات الرسمية، سيتم التعامل معه بكل حزم وشفافية، بما يضمن إنصاف المتضررين ومحاسبة المسؤولين وفقًا للقانون والضوابط المهنية والأخلاقية.

العنف داخل أماكن الرعاية الصحية 

تتعدد أشكال العنف الطبي إذ لا تقتصر على الولادة فقط، تعرضت نهى خالد، 21 عامًا، من مدينة المنصورة، للتقليل من آلامها نتج عنه تأخر في التشخيص: "فقدت الوعي وتركوني على سرير الطوارئ ساعتين تقريبًا، وسط صراخ أمي وأختي، دون أي استجابة. كل ما قيل هو: دلع بنات، وهتفوق كمان شوية، عندما ذهبت لطبيب للمتابعة، قال إنه لا داعي للقلق، وكرر نفس العبارة: أحيانًا البنات بتبالغ. لم يحاول حتى أن يفهم سبب الشكوى".

ما تعرضت له نهى أثر على حالتها النفسية، حيث فقدت الأمل، حتى تعرضت لنوبة أخرى فقدت فيها الوعي، وتم نقلها هذه المرة إلى مستشفى خاص. هناك، أخبر الطبيب أسرتها أن ضغط الدم منخفض ومعدل السكر مرتفع، وبعد إجرائها مجموعة من التحاليل الطبية التي طلبها الطبيب تأكدت إصابتها بمرض السكري، وأن ما كانت تعاني منه مؤشرات غيبوبة سكر.

ذكرت حملة وجعي حقي التي أطلقتها مؤسسة تدوين للنوع الاجتماعي في يوليو 2021، أن النساء في مصر والعالم تعاني من تمييزٍ طبيٍّ ضدهن،، ويعني أن النساء قد يحصلن على خدمة أقل أو تأخر في التشخيص نتيجة لأنهن سيدات. ويرجع هذا التمييز في المجال الطبي إلى تنميط النساء من مقدمي الخدمة الصحية بأنهن يدعين المرض، أو لا يقدرن على تحمل المجهود الزائد وفقًا للحملة. 

نصت الفقرة الأخيرة من المادة 53 من الدستور المصري على أنه: "تلتزم الدولة باتخاذ التدابير اللازمة للقضاء على كافة أشكال التمييز، وينظم القانون إنشاء مفوضية مستقلة لهذا الغرض".

ظاهرة مقلقة تفقد ثقة المريضة

رصدت مبادرة رعاية طبية آمنة للنساء عددًا من حالات التحرش التي وقعت داخل أماكن تقديم الرعاية الصحية، منها إعلان تضامنها مع مريضة الشيخ زايد بعد اتهامها لممرض بالتحرش بها أثناء إعطائها الحقنة في معمل تحاليل بمول شهير حيث أفادت الناجية أنها تعرضت للتحرش الجسدي أثناء قيام المتهم بإعطائها حقنة بالعضل وهذا ما دفعها إلى تقديم بلاغ رسمي ضده. 

أشارت المبادرة إلى أن النساء في المؤسسات الطبية تتعرض إلى أشكال متعددة من العنف، منها: "العنف الجسدي من خلال استخدام القوة أثناء الفحوصات أو الإجراءات الطبية دون مبرر واضح، والعنف اللفظي والتنمر".

تؤكد المحامية انتصار السعيد، رئيسة مجلس أمناء مؤسسة القاهرة للتنمية والقانون، أن العنف ضد النساء داخل المؤسسات الصحية أصبح ظاهرة مقلقة: "نرصد العديد من الحالات التي تُعامل فيها المريضات بشكل غير إنساني، سواء من خلال الإهمال، أو الإهانة، أو استخدام العنف الجسدي. ما يحدث ليس تصرفًا فرديًا عابرًا، بل يعكس ثقافة منتشرة في بعض الأماكن، حيث يُنظر إلى النساء على أنهن أقل استحقاقًا للرعاية والاحترام."

وتضيف لـ"قلم المنصورة": "هناك أطباء وممرضون يتعاملون بغلظة مع النساء، دون أي اعتبار لحالتهن الجسدية أو النفسية. بعض النساء يتعرضن للضرب أثناء الولادة، وأخريات يُجبرن على الخضوع لإجراءات طبية دون موافقة، لذا نحتاج إلى رقابة فعلية".

وتختتم السعيد حديثها بالتأكيد على أن: "العنف الطبي يضرب ثقة النساء في المنظومة الصحية، وأن تقديم الشكاوى ليس أمرًا سهلًا، فالكثير من النساء يخشين الانتقام أو التقليل من أهمية شكاويهن".

دعم نفسي وقانوني للمتضررات

نصت المادة 3 من اتفاقية مناهضة العنف ضد المرأة على أن للمرأة الحق في التمتع، على قدم المساواة مع الرجل، بكل حقوق الإنسان وحرياته الأساسية وفي حماية هذه الحقوق والحريات، وذلك في الميادين السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والصحية.

وتقول الدكتورة ياسمين أبو العزم، طبيبة النساء والتوليد، إن السبب الأساسي وراء التعامل المؤذي مع المريضات يعود إلى معتقدات مجتمعية خاطئة ترسّخ فكرة أن المرأة يجب أن تتحمل الألم، ما يؤدي إلى التقليل من شأن شكواها أو تجاهلها.

وتؤكد على أهمية إعداد برامج تدريبية للطاقم الطبي، تركز على أسس التعامل الإنساني مع المرضى، وخاصة النساء اللواتي يكن في وضع ضعف نفسي وجسدي أثناء المرض أو الولادة. وتشدد على ضرورة وجود لجان مستقلة للتحقيق في شكاوى المرضى، مع التأكد من معاقبة المخالفين بصرامة.

وتتابع: "لابد من توفير دعم نفسي وقانوني حقيقي للنساء المتضررات، من خلال مراكز متخصصة داخل المستشفيات، إلى جانب حملات مجتمعية لتوعية النساء بحقوقهن الصحية، وشرح آليات تقديم الشكاوى".

وتختم أبو العزم حديثها:"يجب أن يصبح هذا الملف أولوية لدى الجهات الصحية والحقوقية. من غير المقبول أن تكون زيارة المستشفى مصدرًا لخوف النساء وآلامهن، بدلًا من أن تكون طريقًا للشفاء الجسدي والنفسي معًا".

في السياق، ترى الدكتورة هبة صالح، المتخصصة في الصحة النفسية، أن التأثير النفسي للعنف الطبي قد يكون أشد وأعمق من الأذى الجسدي نفسه. 

وتشير لـ"قلم المنصورة" إلى أن كثيرًا من النساء اللواتي تعرضن لانتهاكات داخل المؤسسات الصحية يعانين من أزمات نفسية مثل:اضطراب ما بعد الصدمة (PTSD) والذي يشمل استرجاع التجربة المؤلمة، الكوابيس، وتجنب أي شيء يذكّر بالمكان أو الحدث مثل زيارة المستشفى. 

وتوضح الدكتورة هبة أن العديد من النساء اللواتي تعرضن لعنف طبي يصبحن غير قادرات على طلب الرعاية الصحية في المستقبل، خوفًا من تكرار التجربة: "أصبحنا نرى حالات كثيرة لنساء يتفادين زيارة الطبيب أو إجراء فحوصات ضرورية، حتى لو كانت حالتهن الصحية تستدعي ذلك، فقط بسبب تجربة سابقة سلبية".

 وتؤكد أن هذا النوع من العنف يترك أثرًا نفسيًا عميقًا، قد يؤدي إلى تدني تقدير الذات والشعور بالدونية، خصوصًا عندما تتعرض المرأة للإهانة أو الإهمال أثناء فحوصات حساسة مثل الولادة أو العمليات الجراحية النسائية.

في مارس عام 2021، أطلقت حقوقيات وناشطات وثيقة إلكترونية لجمع توقيعات عليها وتقديمها لنقابة الأطباء، حملت عنوان "نداء إلى نقابة الأطباء المصرية.. أوقفوا العنف الجنسي"، وطالب الموقعون والموقعات على هذه العريضة مجلس النقابة العامة للأطباء باتخاذ موقف حازم وسريع تجاه  تلك القلة  -بحسب وصفهم- من الأطباء المشتبه أو من ثبت تورطهم في جرائم العنف الجنسي.

وأوضح الموقعون والموقعات أن هؤلاء يسيئون إلى مهنة الطب والأطباء جميعا ممن يبذلون جهدهم وحياتهم حفاظا على حياة وصحة مرضاهم التزاما بقسم الأطباء ولائحة آداب المهنة التى تلزم الطبيب أن يكون قدوة حسنة ملتزما بالمثل العليا وأمينا على حقوق المواطنين محافظا على كرامته وكرامة المهنة مما يشينها.

جميع أسماء النساء المذكورة في هذا التقرير، مستعارة بناءً على طلبهن وحفاظًا على هويتهن.