بين عوالم مسرحية تتداخل فيها الحقيقة مع الوهم، وأسئلة فلسفية تطرح نفسها على خشبة المسرح حول طبيعة الواقع وحدود الخيال، قدم المخرج المسرحي الأسواني خالد عطا الله عرض "أحداث لا تمت للواقع بصلة" ضمن فعاليات المهرجان الإقليمي للفرق المسرحية في قنا خلال الفترة من 21 إلى 27 يونيو الجاري.
يستند عطا الله، 57 عامًا، إلى تجربة فنية تمتد لنحو أربعة عقود تنقل خلالها بين التمثيل وتصميم الديكور والإخراج. ومنذ احترافه الإخراج عام 2010، قدم نحو 25 عرضًا مسرحيًا، كما شارك في لجان تحكيم تابعة للهيئة العامة لقصور الثقافة.

وامتدت تجربته إلى السينما من خلال مشاركاته في مهرجان أسوان الدولي لأفلام المرأة، حيث قدم أعمالًا سينمائية عدة كان أحدثها فيلم "مجرد نفس" عام 2026.
في هذا الحوار، يتحدث عطا الله عن كواليس عرضه المسرحي، ورؤيته للنص المقتبس وأسلوبه الإخراجي، إلى جانب التحديات التي تواجه الحركة المسرحية في الصعيد، ورهانه المستمر على المسرح كأداة للتفكير والتغيير.
- في البداية، ما فكرة عرض "أحداث لا تمت للواقع بصلة"؟ وكيف يتناول العلاقة بين الواقع والخيال؟
يُقدم عرض "أحداث لا تمت للواقع بصلة" بوصفه معالجة مصرية موازية ومعدلة للنص العالمي الشهير "ست شخصيات تبحث عن مؤلف". وتنطلق أحداثه من فرقة مسرحية تفاجأ بدخول إحدى العائلات إلى بروفاتها، مطالبة بمحاكمة عامل صيانة داخل المسرح، لتتحول الخشبة إلى ساحة تمتزج فيها الأدوار بين جميع الشخصيات.
ومن خلال هذا البناء الدرامي، يطرح العرض تساؤلًا فلسفيًا حول طبيعة العلاقة بين الواقع والخيال: هل نصنع الحقيقة أم نصنع الوهم؟ إذ تتلاشى الفواصل بين العالمين تدريجيًا.
- يحمل العنوان دلالة مباشرة، فهل يعكس انفصال الأحداث عن الواقع؟
يحمل العنوان مفارقة أكثر مما يحمل نفيًا مباشرًا للواقع؛ فهو لا يؤكد انفصال الأحداث عنه، بل يشير إلى محدودية قدرة الفن على تمثيله بصورة كاملة. فالعرض ينطلق من فكرة أن ما يُقدم على خشبة المسرح قد يبدو بعيدًا عن الواقع، لكنه في حقيقته انعكاس له، وإن جاء عبر صورة فنية أعيد تشكيلها أو تعرضت لبعض التشويه، وبذلك يتحول العنوان إلى طرح فلسفي يتساءل عن مدى قدرة الفن على نقل الحقيقة كما هي.
- كيف تعاملت مع النص المقتبس وقدمت معادلًا مصريًا له على خشبة المسرح؟
تعاملت مع النص المقتبس باعتباره صياغة مصرية موازية ومعدلة للنص العالمي "ست شخصيات تبحث عن مؤلف"، ولم أتعامل معه باعتباره نقلًا مباشرًا أو حرفيًا، وإنما باعتباره إعادة بناء للفكرة بما يتناسب مع البيئة المحلية.
انطلقت من الفكرة الأساسية القائمة على تداخل الواقع بالخيال، لكنني وضعتها داخل سياق مصري من خلال فرقة مسرحية تتعرض لاقتحام أسرة في أثناء البروفات، وما يترتب على ذلك من تبادل للأدوار بين الشخصيات.
- تعتمد في رؤيتك الإخراجية على الجانب البصري بشكل واضح، فكيف توظف الديكور وحركة الممثلين؟
تستند رؤيتي الإخراجية إلى خلفية سابقة في مجال السينوغرافيا وتصميم الديكور قبل الانتقال إلى الإخراج، لذلك لا أتعامل مع العنصر البصري باعتباره مكملًا للنص، بل كركيزة أساسية تنطلق منها بقية مكونات العرض.
وفي هذا العمل اعتمدت على ثلاثة صناديق سوداء كبيرة تتحرك باستمرار داخل الفضاء المسرحي، بحيث يصبح الديكور عنصرًا متحركًا وفاعلًا في صناعة التحول الدرامي، لا مجرد خلفية ثابتة. وتتيح هذه الصناديق تشكيل فضاءات متعددة تعكس التداخل بين عالم الفرقة المسرحية وعائلة "عم سيد"، بما يخلق معادلًا بصريًا لفكرة اختلاط الواقع بالخيال.
أما حركة الممثلين، فتنطلق من بناء نفسي للشخصيات قبل الانتقال إلى الحركة على الخشبة. لذلك نبدأ بما يُعرف بـ"بروفات التربيزة" لفهم الدوافع النفسية والعلاقات بين الشخصيات، ثم ننتقل تدريجيًا إلى التطبيق العملي داخل الفضاء المسرحي، بحيث تصبح الحركة نابعة من الحالة الدرامية ومتوافقة مع الديكور، لا مفروضة عليه.
- حدثنا عن كواليس التحضير للعرض والتحديات؟
استمرت التحضيرات الخاصة بالعرض مع فرقة كوم أمبو المسرحية نحو ثلاثة أشهر من العمل المتواصل، وهي فترة أتاحت الوصول إلى رؤية فنية مستقرة نسبيًا على مستوى الأداء والتصور الإخراجي.
ولم تكن أبرز الصعوبات فنية بقدر ما ارتبطت بالجوانب التمويلية والإجرائية إذ كان مطلوبًا إنجاز الديكور واستكمال البروفات خلال فترة محدودة، رغم أن طبيعة العمل المسرحي تتطلب وقتًا كافيًا يتراوح بين عشرة وخمسة عشر يومًا على الأقل لاختبار التفاصيل وضبطها على خشبة المسرح.
- كيف ترى المشاركة في المهرجان الإقليمي للفرق المسرحية؟ وما رأيك في تقييم العروض فنيًا وفق نظام الدرجات؟
أرى أن المشاركة في المهرجان الإقليمي تمثل فرصة مهمة للتنافس بين فرق الإقليم، كما تتيح مساحة لعرض التجارب المسرحية المختلفة في إطار واحد، بما يسهم في تعزيز التفاعل الفني وتبادل الخبرات بين المبدعين.
وفي المقابل، أعتبر تقييم العروض بنظام الدرجات أحد الإشكاليات المطروحة، لأن الفن بطبيعته لا يمكن اختزاله في أرقام أو معايير حسابية، فالمسرح يُقاس بقدرته على التأثير وتحقيق رسالته الفنية وإثارة التفكير لدى الجمهور، وليس من خلال رقم يُمنح في نهاية العرض.
- كيف ترى واقع المسرح في الصعيد من حيث الدعم، والجمهور، ومستوى الوعي الثقافي؟
أعتقد أن المسرح في الصعيد يزخر بالمواهب والطاقات الإبداعية والمثقفين القادرين على تقديم تجارب مهمة، إلا أن التحدي الحقيقي لا يتعلق بالعنصر البشري، وإنما بضعف الفرص المتاحة واستمرار نقص الدعم، إلى جانب غياب الاهتمام الكافي بإبراز هذه التجارب ومنحها ما تستحقه من مساحة وحضور.
أما فيما يتعلق بالجمهور، فهناك تحدٍ مرتبط بالوعي الثقافي والمسرحي، إذ ما زال المسرح في الصعيد يعاني من محدودية الانتشار، وتظل بعض العروض محصورة في نطاق ضيق من المتابعين، نتيجة غياب مشروع مستدام يسهم في تكوين جمهور أوسع وأكثر ارتباطًا بالفن المسرحي.
- في ظل هذه التحديات، ما رؤيتك لدور المسرح في مناقشة القضايا الاجتماعية؟
أؤمن بأن المسرح يمتلك قدرة كبيرة على طرح القضايا الاجتماعية بعمق وتأثير، لأنه لا يكتفي بعرض المشكلة، بل يدفع المتلقي إلى التأمل في ذاته وواقعه، ويطرح أمامه أسئلة تستمر بعد انتهاء العرض. لذلك أتبنى رؤية تعتبر المسرح أداة لإثارة الوعي وإعادة التفكير في الواقع، وليس مجرد وسيلة للترفيه.
وفي اختيار الموضوعات، أميل إلى تناول القضايا الإنسانية التي تمس الإنسان بصورة مباشرة، بعيدًا عن الطرح الصدامي المباشر لبعض الملفات التقليدية، لأن هدفي الأساسي هو الوصول إلى الجمهور وتحفيز وعيه وإثارة التفكير لديه دون افتعال مواجهات أو صدامات غير ضرورية.
- ما خططك المستقبلية بعد عرض المسرحية؟
أما بشأن المرحلة المقبلة، فإن المشاركة في المهرجان تمثل بالنسبة لي فرصة للتنافس واختبار التجربة أمام الجمهور والنقاد، لكنها لا تمثل نهاية المشوار. وفي الوقت ذاته، فإن الاستمرار في العمل المسرحي يظل مرتبطًا بوجود ظروف إنتاجية وإدارية أكثر استقرارًا، تسمح بتقديم أعمال جديدة بصورة أفضل.
ورغم ما يفرضه الواقع من تحديات وإحباطات أحيانًا، يبقى الشغف بالمسرح حاضرًا، لأنه مساحة يصعب الابتعاد عنها أو التخلي عنها بسهولة.