السنوسي: "الطيور اللي مش في الجنة" يقرأ الواقع بشعر العامية  (حوار)

صورة أرشيفية، الشاعر محمود السنوسي

كتب/ت فاطمة محمد
2026-06-02 14:35:47

في عالم تتسع فيه التجارب الأدبية لتضم أصواتًا متعددة ورؤى مختلفة، يبرز صوت الشاعر محمود السنوسي عبادي في أسوان، بوصفه أحد الأصوات التي اختارت أن تقترب من الإنسان العادي، وأن تلتقط تفاصيله اليومية وتحولها إلى نصوص شعرية تعكس واقعه وتجاربه. 

تنقل عبادي بين أشكال أدبية متنوعة، لكنه استقر خلال السنوات الأخيرة على شعر العامية باعتباره مساحة أكثر حرية للتعبير والتواصل مع القارئ، وهو ما ينعكس على ديوانه الجديد "الطيور اللي مش في الجنة" الذي صدر نهاية مايو الماضي، ويطرح الديوان فكرة الطيور التي صنعها الإنسان مثل الطائرات والأسلحة بوصفها أدوات تحمل دلالات مرتبطة بالقتل وإعادة قراءة العلاقة بين التكنولوجيا والعنف.

في هذا الحوار، يتناول الشاعر محمود السنوسي تفاصيل تجربته مع ديوانه الجديد "الطيور اللي مش في الجنة" من الفكرة حتى نشره في مايو الماضي ضمن برنامج النشر المجاني التابع لـ"دار إيقاعات للطبع والنشر". 

  • احكِ لنا عن بداياتك مع الكتابة، وما الذي جذبك إلى الشعر؟

بدأت تجربتي مع الكتابة خلال سنوات الدراسة الجامعية، حيث كان لدي اهتمام بالشأن الثقافي، أتاح لي الالتحاق بكلية الخدمة الاجتماعية فرصة الاطلاع على عدد كبير من الكتب، خصوصًا في مجالي علم الاجتماع وعلم النفس، وهو ما أسهم بشكل واضح في تشكيل رؤيتي واهتماماتي الكتابية. 

وخلال تلك المرحلة، شاركت في الأنشطة الثقافية، وكنت عضوًا في نادي أدب أسوان، الأمر الذي ساعدني على تنمية موهبتي وتطويرها تدريجيًا. كما تنقلت بين عدد من الأشكال الأدبية، بدءًا من شعر الفصحى، مرورًا بالقصة القصيرة والرواية، وصولًا إلى النقد الأدبي، قبل أن أستقر في المرحلة الحالية على شعر العامية.

  •  من أبرز الشعراء الذين أثروا في تكوينك؟ ومتى اتجهت إلى شعر العامية؟

تختلف مصادر التأثير باختلاف المراحل؛ ففي شعر الفصحى تأثرت بتجربة صلاح عبد الصبور وأمل دنقل، إلى جانب شعراء الكلاسيكيات مثل أحمد شوقي وحافظ إبراهيم والمتنبي. أما في شعر العامية، فقد كان لفؤاد حداد وعبد الرحمن الأبنودي تأثير بارز في تشكيل رؤيتي الشعرية. 

وجاء اتجاهي إلى شعر العامية في مرحلة لاحقة من تجربتي، بعد سنوات من الكتابة في أشكال أدبية متعددة، وبدأت الكتابة فيه منذ نحو أربع سنوات باعتباره المسار الأحدث في مشواري الإبداعي.

  •  حدثنا عن الفكرة الأساسية التي يدور حولها ديوانك الجديد "الطيور اللي مش في الجنة"؟

 يمكن اعتبار قصيدة "الطيور اللي مش في الجنة" هي الأقرب إلى تمثيل رسالة الديوان، إذ تعكس بوضوح أحد محاوره الأساسية، حيث تناقش فكرة الطيور التي صنعها الإنسان مثل الطائرات والأسلحة بوصفها أدوات قد تُستخدم في القتل، في مقابل الطيور الطبيعية التي لا تحمل أذى. 

وتحمل القصيدة بعدًا نقديًا للواقع، وتعبر عن الجوهر الاجتماعي الذي يقوم عليه الديوان، إلى جانب قصائد أخرى تتناول قضايا تمس حياة الناس اليومية، مثل أزمة العلاج وغيرها من القضايا الاجتماعية.

  •  كيف اخترت النصوص الجديدة في الديوان؟

جاء اختياري للنصوص الجديدة في الديوان انطلاقًا من قناعتي بأنها يمكن أن تتكامل مع قصائد ديوان "أنا اسمي مش فيهم"، بحيث لا تبدو منفصلة عنه، بل تُكمل رؤيته العامة. فقد شعرت أن الجمع بين هذه النصوص وتلك السابقة يمكن أن ينتج رؤية واحدة أكثر اتساعًا ونضجًا، أو يقدّم امتدادًا وتطويرًا للتجربة الأولى، سواء على مستوى البناء أو الرؤية الشعرية.

  •  كيف ترى علاقة ديوانك الجديد "الطيور اللي مش في الجنة" بديوانك السابق "أنا اسمي مش فيهم"؟ وهل هو امتداد له أم تجربة مختلفة؟ 

كان هذا الديوان في الأصل مشروعًا شعريًا كبيرًا يضم عددًا من القصائد، غير أن حجمه لم يكن يسمح بنشره في إصدار واحد، ما دفعني إلى تقسيمه إلى ديوانين: "أنا اسمي مش فيهم" و"الطيور اللي مش في الجنة"، مع إضافة بعض النصوص الجديدة إلى الديوان الثاني.

ومن ناحية النصوص، فقد قمت بإعادة مراجعة عدد من القصائد القديمة، خاصة تلك التي كنت قد نشرتها سابقًا على "فيسبوك"، ووجدت أن بعضها يحتاج إلى إعادة صياغة وتكثيف، سواء بحذف بعض الأجزاء أو إعادة بنائها، بحيث تصبح أكثر تركيزًا واتساقًا مع الشكل النهائي للديوان.

وبالتالي، فإن الهدف لم يكن تقديم قطيعة مع التجربة السابقة أو تغيير مسارها بشكل كامل، وإنما استكمالها وتطويرها وتكثيفها، بما يتيح تقديم رؤية أكثر نضجًا وتماسكًا في البناء والتكوين الشعري.

  •  ما الثيمة أو الفكرة الأساسية لديوانك الجديد "الطيور اللي مش في الجنة"؟ وهل هناك خيط فكري أو شعوري يربط بين قصائده؟

تقوم الثيمة الأساسية للديوان على البعد الاجتماعي، إذ تنطلق القصائد من محاولة قراءة الواقع المجتمعي وقضاياه المختلفة، وليس الاكتفاء بالتعبير الذاتي بمعزل عن هذا الواقع. وحتى في النصوص التي تحمل طابعًا ذاتيًا، يظل حضور "الذات الجمعية" واضحًا، باعتبار الفرد جزءًا من سياق اجتماعي أوسع. 

كما يشتبك الديوان مع تفاصيل الحياة اليومية، سواء على المستوى الأسري أو الاجتماعي، بما يعكس التحولات والقضايا التي يعيشها المجتمع. وقد حرصت كذلك على تكثيف النصوص من أجل تقديمها بصورة أكثر تركيزًا وقدرة على التعبير عن هذه الرؤية بوضوح وفاعلية.

  •  إلى أي مدى أثّرت البيئة الأسوانية في نصوص الديوان، وهل انعكس ذلك أيضًا على فكرة الغلاف وتصميمه؟

حملت البيئة الأسوانية حضورًا في بعض نصوص الديوان، إلا أن هذا الحضور لم يكن مباشرًا أو توثيقيًا بالمعنى التقليدي، وإنما جاء من خلال انعكاسها في التجربة الشخصية داخل المكان. فهناك قصائد تتناول أماكن بعينها وما يرتبط بها من تفاصيل وتجارب معيشية، مثل مكتبة مصر العامة بأسوان، إلى جانب أماكن أخرى مثل بيت الشعر في الأقصر والأوبرا.

ويمكن وصف هذه النصوص بأنها أقرب إلى "أماكن الذات"، أي الأماكن التي ارتبطت بتجربة الشاعر وتكوينه داخل أسوان، وكيف أسهمت في تشكيل وعيه وتطوره داخل هذا السياق.

أما فيما يتعلق بالغلاف، وجاء تصميمه باختيار دار النشر، ونفذته الفنانة التشكيلية سعاد سعيد نوح بعد قراءته بوصفه نصًا كليًا، واستلهمت منه رؤية فنية عامة انعكست في التصميم. وبالتالي، لم يكن الغلاف ترجمة مباشرة للبيئة الأسوانية، بقدر ما هو قراءة بصرية شاملة لموضوعات الديوان، مع الإشارة إلى أنني راضٍ عن هذه الرؤية في مجملها.

  •  ماذا عن تجربة نشر الديوان مع دار إيقاعات وبرنامج النشر المجاني؟ وهل أثّرت هذه التجربة على حرية اختيار النصوص أو شكل الديوان؟

تُعد تجربة النشر مع دار إيقاعات تجربة إيجابية في مجملها، لا سيما أنها تتيح برنامجًا للنشر المجاني لشعر العامية، وهو ما يوفر فرصة حقيقية لنشر الدواوين دون أعباء مادية، ويفتح المجال أمام عدد كبير من الشعراء لإبراز تجاربهم. 

وتقدمت للدار في شهر يناير الماضي، وتلقيت الموافقة من لجنة القراءة في أوائل مارس من العام نفسه، وسارت الإجراءات بعد ذلك بشكل واضح وسلس دون تعقيدات تُذكر.

أما فيما يتعلق بحرية اختيار النصوص وشكل الديوان، فلم يكن هناك أي تدخل في هذا الجانب، إذ كانت لدي حرية كاملة في اختيار القصائد وترتيبها، مع وجود قدر كبير من التفاهم من جانب الدار فيما يخص الرؤية العامة وبناء الديوان.