حين كان محمد عبد الستار في الرابعة عشرة من عمره، بدأت تجربته الأولى مع التصوير عندما أمسك هاتفًا مزودًا بكاميرا والتقط أول صورة لمدينة أسوان مسقط رأسه، ومنذ تلك اللحظة اكتشف أن التصوير ليس مجرد هواية عابرة، بل وسيلة لحكي ما يراه من تفاصيل الحياة.
مع مرور السنوات كبر شغفه بالتصوير، حيث تطورت أدواته من الهاتف المحمول إلى كاميرا رقمية احترافية، ومع ذلك ظل الدافع واحدًا: توثيق اللحظة ونقلها، حيث ساعدته البيئة الأسوانية على تنمية هذا الشغف وتعزيزه.

يقول محمد، 25 عامًا: "كنت دائمًا أشعر أن الصورة ليست مجرد لقطة، لكنها طريقة لفهم الناس والمكان، وكل صورة كنت ألتقطها كانت تجعلني أرى الحياة بشكل أعمق، التصوير بالنسبة لي ليس عملًا أو هواية فحسب، بل مساحة أستطيع من خلالها التعبير عن نفسي وعما أراه في الشارع".
يشارك محمد في معرض "المصريون وكرة القدم" الذي أطلقته مؤسسة "فوتوبيا" بالقاهرة خلال الفترة من 12 إلى 20 يونيو الجاري، تزامنًا مع انطلاق بطولة كأس العالم، حيث يوثق المعرض حضور كرة القدم في الحياة اليومية، من الشوارع والأحياء الشعبية وصولًا إلى الملاعب والاستادات.
اصطحب عبد الستار عددًا من صوره التي التقطها من مناطق مختلفة داخل مصر، لتكون مشاركته هي الوحيدة التي تمثل محافظة أسوان ضمن أعمال عشرات المصورين المشاركين في المعرض.

من أسوان إلى عدسة التوثيق
"بدأت هوايتي في التصوير من المنطقة التي أعيش فيها بمدينة أسوان من خلال رصد الحياة اليومية، وحبي لمراقبة الناس والتفاصيل الصغيرة التي تحدث يوميًا في الشارع. ومع الوقت وجدت أن هناك قصصًا كثيرة تستحق أن تُوثَّق"، يروي محمد بدايته في عشق التصوير.
منذ ذلك الحين غيّرت الكاميرا نظرته للحياة: "أصبحت أرى المشاهد بشكل مختلف، فكل لقطة تحمل حكاية".
وخلال رحلته، شارك عبد الستار في عدد من المعارض، من بينها معرض "سفرة وطبلية" العام 2025 الذي يروي قصصًا عن أسوان والجنوب، إلى جانب توثيق التنوع البيئي في أسوان، خاصة الطيور المختلفة، فضلًا عن مشاركته في تصوير عدد من الأفلام ضمن ورش مهرجان أسوان لسينما المرأة في دورات مختلفة: "أحاول دائمًا أن أوثق الحياة اليومية بتحدياتها كما أراها من خلال عدستي".
ويشير إلى أن التحديات التي تواجه كرة القدم في أسوان تنعكس بشكل مباشر على التصوير الرياضي: "أسوان ليست لديها نفس حجم الاهتمام الكروي أو الفعاليات الموجودة في مناطق أخرى، وحتى نادي أسوان الذي يلعب حاليًا في الدرجة الثالثة يؤثر وضعه على حجم التغطية الإعلامية والاهتمام به، وبالتالي على فرص المصورين".
ورغم ذلك، يرى أن هذه الظروف تدفعه للتوجه إلى زوايا مختلفة من اللعبة: "أبحث عن كرة القدم في الشارع، في الحلم، وفي الإصرار عند اللاعبين الهواة". ويؤكد عبد الستار أن التصوير الرياضي في الجنوب يظل مختلفًا في طبيعته، ولا يحظى بنفس مساحة الظهور مقارنة بالوجه البحري، لكنه في الوقت نفسه يمنحه فرصة للمشاركة في المعارض بشكل مميز.
صورة وحكاية
ثم جاءت مشاركة محمد عبد الستار في معرض "المصريون وكرة القدم" لكون عنوان المعرض يجمع بين شغفين أساسيين لديه، لذلك اختار تقديم زاوية مختلفة بعيدًا عن الملاعب التقليدية.
يقول عن تلك المشاركة: "رغم أن صوري المشاركة في المعرض عن كرة القدم، فإنني في حياتي مهتم بتوثيق حياة الشارع وكيف تؤثر على الناس وتصرفاتهم، لأن الكورة بالنسبة لي جزء من شيء أكبر يتعلق بالشغف والمكان، وقد تغيرت عبر السنوات من كونها تُمارس في الشوارع إلى أشكال أخرى".
ومن بين الصور التي يشارك بها محمد صورة يظهر فيها "حمودي" ابن ابن عمته، الطفل الذي يصفه بأنه يمتلك موهبة في كرة القدم: "كنت دائمًا أتابعه وهو يتدرب في أي مساحة يجدها، وما يفعله يجمع بين حب اللعبة والمكان الذي يعيش فيه لذلك قررت أن أوثق هذا المشهد".
ويشير إلى أن فكرة المعرض كانت فرصة مهمة للتعرف على أعمال متنوعة: "وجود صور حمودي بجانب صور لاعبين مثل أبو تريكة وصلاح، وطريقة تفاعل الزوار معها، كان مزيجًا رائعًا".
ويروي أن أكثر ما أسعده كان تفاعل الزوار مع الصور وسؤالهم عن أماكن التقاطها: "كانوا يستغربون أنها من أسوان، لأن لديهم صورة نمطية عنها باعتبارها مدينة سياحية فقط، ولا يتوقعون وجود مناطق شعبية بهذا الشكل".
بينما يرى عبد الستار أن ما يميز أسوان هو طابعها الإنساني المختلف، وارتباطها بالساحات المفتوحة التي صنعت علاقة خاصة بين الناس وكرة القدم، مثل الدورات الرمضانية التي كانت تمثل وسيلة أساسية للتواصل بين الشباب، خاصة في ظل محدودية المساحات المخصصة للعبة.
ويضيف: "أي مصور يشعر بالسعادة عندما تنتشر صوره على نطاق واسع، خاصة إذا استطاعت أن تنقل فكرة أو تكسر صورة نمطية عن مكان مثل أسوان، فهي ليست مدينة سياحية فقط، بل مدينة أكبر وأكثر تنوعًا".
ويختتم حديثه بالإشارة إلى أن ربط المعرض بكأس العالم كان فكرة موفقة، لأنها تعكس كيف يمكن لكرة القدم أن تتجاوز كونها مباراة لمدة 90 دقيقة لتصبح جزءًا من تفاصيل الحياة اليومية.
ما يزال محمد يمتلك صورًا لم تُروَ بعد، ويواصل بحثه الدائم عن المشهد الذي يعكس المكان بصدق، بعيدًا عن الصور المصطنعة، ساعيًا لاختيار الزاوية التي تجمع الإنسان بالمكان في لحظة حقيقية.