بعيدًا عن صخب المدينة

تصميم| محمد صلاح

كتب/ت أمنية فهد
2025-08-15 07:00:04

نبضات المدينة متسارعة، كل شيء فيها موصول بشبكة خفية تديرها هواتف ذكية صغيرة، من طلب الطعام إلى معرفة اتجاه الريح، كأن العالم كله رهن إشارة من إصبع.

أيمن شاب في التاسعة عشرة من عمره، مثل غيره، جزءاً لا يتجزأ من هذا النسيج التكنولوجي. هاتفه الذكي كان امتداداً ليده وعقله، نافذته على العالم، ووسيلته للتواصل مع أصدقائه الذين لم يرَ معظمهم وجهاً لوجه.

في يوم شعر أيمن بملل خفي. قرر فجأة أن يقطع هذا الحبل السري الرقمي ليوم كامل. أراد أن يستشعر العالم بأنفه وعينيه مباشرة، لا عبر شاشة زجاجية. لكنه وجد أن الأمر أشبه بقطع طرف مبتور. كان هاتفه سجله لذكرياته، بوصلته الضائعة، وصوته المسموع. نسي كيف كانت تبدو الدقائق بلا تحديثات، وكيف يمر الوقت بلا إشعارات.

ذهب أيمن إلى الحديقة التي اعتاد التجمع فيها مع أصدقائه للعب كرة القدم. لكن المشهد كان مختلفاً. لم يرَ أقداماً تركض على العشب الأخضر، بل رؤوساً منحنية أمام شاشات مضيئة. أصدقاؤه، الذين يعرفهم بأسمائهم المستعارة في عالم الألعاب، كانوا منهمكين في معارك افتراضية، أصابعهم تراقص على الزجاج.

تردد أيمن قبل أن يسأل: "يا جماعة، لماذا لا نلعب كرة القدم؟ الجو جميل".

ردّ  أحدهم دون أن يرفع عينيه عن الشاشة: "ولماذا نركض ونتعرّق يا صاحبي؟ هنا الحركة بلا مجهود، وتنافس مع ناس من آخر الدنيا."

تدخل آخر: "أيمن، أنت لسه في زمن الأجداد؟ هنا نتواصل ونكوّن صداقات مع محترفين من كوريا والبرازيل، عالم كامل بين إيدينا."

حاول أيمن أن يشرح: "لكن الركض معاً، الضحك على هدف ضائع، حتى الخلاف على ضربة جزاء... هذا هو التواصل الحقيقي، طاقة حقيقية."

قالت صديقته بملل: "تواصل حقيقي؟ يعني إيه؟ كلام ممل وشايفين خلقة بعض طول النهار. هنا كل واحد بشخصية جديدة وقدرات خارقة."

في تلك اللحظة، شعر أيمن بفجوة عميقة تفصله عن أصدقاءه. قرر أن يبحث عن مكان آخر، مكان ربما لا يزال فيه للواقع طعم مختلف. ركب دراجته قاصداً أطراف المدينة، حيث سمع عن قرية صغيرة تحتضنها الحقول الخضراء، مكان لم تصل إليه بعد سطوة الأبراج الخلوية.

وصل أيمن إلى تلك القرية بعد ساعات من الدوران. وجد عالماً آخر. أطفال يركضون في الأزقة الضيقة يطلقون ضحكات حقيقية، وشباب يجلسون تحت ظلال الأشجار يتحدثون وجهاً لوجه بحماس، وكبار السن يتجمعون في الساحات يحكون الحكايات القديمة. رأى فتيات يلعبن لعبة "الحجلة" على الأرض الترابية، وشباباً يتنافسون في لعبة "الكرة الشراب" بمهارة. لم يرَ الهواتف الذكية تضيء وجوههم أو تخطف أبصارهم.