"أوفلاين" في ليلة شتوية

تصميم - محمد صلاح

كتب/ت نورهان عبد الرحمن
2026-02-15 17:19:57

في إحدى ليالي يناير القاسية، كانت السماء فوق المدينة تصبّ أمطارًا غزيرة تضرب النوافذ بعنف، والرياح تصفِّر كأنها وحشٌ يبحث عن مأوى.

داخل أحد البيوت، كانت أسرة مكونة من سبعةِ أفراد، تعيش العزلة الجماعية: الأم في المطبخ والأب يقرأ أمّا الأبناء الثلاثة الكبار فكانوا غارقين في عالمهم الافتراضي، الهواتف ملتصقة بأيديهم كأنها أجهزةُ إنعاشٍ، على وجوههم ينعكس ضوء الشاشات الزرقاء، ولا أحد منهم يسمع نداء الأم المتكرر: "اتركوا هذه الأجهزة.. لنتحدث قليلاً!".

الساعة الثانية عشرة منتصف الليل، فجأة.. ودون سابق إنذار، انقطع التيار الكهربائي، ساد ظلام دامس لدرجة أن المرء لا يكاد يرى كفَّه، صرخةٌ جماعيةٌ خرجت من غرف الإخوة، ليست خوفًا من الظلام، بل ذُعرًا على "الإنترنت" الذي انقطع.

هرع الجميع إلى الصالة، كانت الهواتف تلفظ أنفاسها الأخيرة، والبطاريات تقترب من الصفر، وسط الصالة، أشعلت الأم الشمعة الوحيدة التي كانت متبقيةً لديهم، تَحلّق الجميع حول ضوئها الصغير الراقص. كانت المرة الأولى، منذ شهور، التي يجلس فيها السبعةُ في دائرةٍ واحدة، ينظرون إلى وجوه بعضهم البعض، بدلًا من الشاشات.

بينما كان الأبناء يتذمّرون من انتهاء الشحن، انطفأت الشمعة فجأة! ليس لأنها ذابت، بل لأن تيار هواءٍ قويًّا مرّ في الصالة، وكأن أحدًا نفخها عمدًا. 

ساد صمتٌ رهيب، ثم سُمع صوت طَرْقٌ منتظم يأتي من القبو.

"هل أغلقتم باب الشُّرفة؟" سأل الأب بنبرةٍ حادّة.

ردّ الابن الأكبر بصوتٍ يرتجف: "نعم يا أبي، لكن أشعر بأن هناك شخصًا ما يتحرك بالأسفل".

بدأت رحلة البحث عن الصوت في الظلام، لكنّ الدهشة زادت حين اكتشفوا أن هواتفهم الثلاثة اختفت تمامًا من فوق الطاولة حيث تركوها قبل لحظات! الظلام لم يعد مجرد انقطاع كهرباء، بل أصبح لغزًا.

اضطر الأبناء للتماسك، أمسكوا بأيدي بعضهم البعض لأول مرةٍ منذ وقتٍ طويل، تحركوا ككتلةٍ واحدة في الممر المظلم، يتلمسّون الجدران، والقلوب تخفق بشدة.

 لم يكن هناك "جوجل" ليسألوه عمّا يحدث، كان عليهم الاعتماد فقط على حواسّهم.

عندما وصلوا لمصدر الصوت، اكتشفوا المفاجأة.

لم يكن لصًّا ولا شبحًا، بل كان الأَخوان الصغيران يجلسان بجانب صندوقٍ قديمٍ، يفتحانه ويُغلقانه، وهو الصندوق الذي كانت الأسرة تضع فيه ألعابها القديمة، وبجانبه كانت الهواتف الثلاثة مخبّأة!

ضحكت الأم وهي تُشعل ولّاعةً صغيرة كانت في جيبها: "لقد سئما من صمتكم، فأرادا أن يرياكم أن الحياة في الظلام معًا أجمل من الضوء الذي تعيشون فيه وحدكم".

ضحك الأخوة الكبار، وجلسوا بجانب الصندوق مستعيدين ذكرياتهم.

في تلك الليلة، لم تعُد الكهرباء إلا في الصباح الباكر، لكنّ الغريب أن أحدًا لم يركض فور عودتها نحو الشاحن. 

وقضوا ساعات في لعب "الاستغماية" في الظلام وسرد قصص الرعب، ليكتشفوا أن دفء العائلة هو الشّحنة الحقيقية التي كانت قلوبُهم تفتقدها.

لقد كانت ليلة "أوفلاين" بامتياز، لكنها كانت الأكثر اتصالًا في تاريخهم.