الكرسي الخالي

تصميم| محمد صلاح

كتب/ت رميساء أحمد
2026-03-20 09:00:00

في بيتنا ​ليلة "وقفة العيد" ليست مجرد حملة لتنظيف المنزل، إنها "معركة بهجة"، يصدح الراديو بصوت أم كلثوم "يا ليلة العيد"، تختلط رائحة المنظفات برائحة خبز الكحك التي تتسرب من النوافذ، ظللنا هكذا لسنوات، حتى لم تعد الليلة كما كانت كلما نظرنا إلى ركن الصالون حيث يقبع فيه "الكرسي الهزاز" وحده، كأنه أثرٌ منسي.

​اقتربت أمي إليه، لم تنفض عنه الغبار فحسب، بل مَسّدت على خشبه بحنانٍ مفرط، كأنها تطمئنه: "لا تقلق، ستكتمل اللمة غدًا"، وضعت فوقه مفرشًا مطرزًا جديدًا، وتركته وحيدًا يواجه ضوء القمر المتسلل من النافذة.

​وفي صباح العيد، كان كل شيء على ما يرام، تصدح المساجد بالتكبيرات، ويركض الأطفال في كل مكان، تفوح ملابسهم برائحة القماش الجديد، وتجتمع العائلة بعد الصلاة حول مائدة الإفطار، وتتعالى ضحكاتهم ودفء يشيع، وحماس يترقب أوراق العيدية الجديدة، ​لكن كان المشهد ناقصًا.

فبينما تزداد الحماسة مع رواية الجد الحكايات قبل الحلوى والعيدية، وحماس شقيقي العائد من السفر وهو يحكي مغامراته، كان الكرسي "فراغًا" مرئيًا، مساحةً شاغرةً يهرب الجميع من النظر إليها لكي لا تنهمر الدموع وسط الزحام.

​فجأة، انقطع الضجيج حين أمسكت الأخت الكبرى بهاتفها، ووضعته بعناية على مسند ذلك الكرسي الخالي، فُتحت الكاميرا، وظهر وجه "عمر" من خلف البحار، يرتدي قميصًا مكويًا ويحمل كوب قهوته وحيدًا في شقته الباردة، وهو يردد ​"كل سنة وأنتم طيبين.. أنا قاعد معاكم أهو!" قالها عمر محاولاً تزييف فرحة لا تكتمل.

تحلّقوا حول الكرسي، صار الموبايل هو "رأس" صاحبه الغائب، والكرسي الخشبي هو "جسده"، تعالت الضحكات مجددًا، لكنها كانت ضحكاتٍ "مبتورة"، تفتقد لمسة يد حقيقية أو حضنٍ ينهي وجع المسافات.

​مع غروب شمس اليوم الأول، وهدوء صخب الزيارات، دخلت أمي الصالون، جلست على الأرض إلى جانب الكرسي الخالي، وأسندت رأسها على مقعده، في خيالها لا يزال عمر هنا، ابنها الكبير الذي فارقها للعمل في البحر، لكنه لم يفارق ذهنها أبدًا، فكل مرة يحادثها يبتسم لها ويخبرها أن العيد "روح" تسكن القلوب، وليست مجرد أجساد تجلس على المقاعد.

​نظرت إلى طبق الكحك، فوجدت بقايا سكر صغيرة سقطت من يد أحد الأحفاد فوق الكرسي، ابتسمت ومسحتها ببطء، وكأنها تمسح أثر غيابٍ لن ينتهي أبدًا إلا بعودة الغائب.