جلستُ مع عائلتي أمام التلفاز نترقب النشرة، والانتظار يفتك بنا، وفجأة، قُطع الصمت بصرخة مدوية من إخوتي الصغار هزت أركان البيت "العيد غداً!"، تعالت ضحكاتهم الصافية التي جعلت قلبي يرفرف فرحًا، لكن وسط هذا الضجيج الجميل، داهمتني فكرة مرعبة صمتت لها أذني "الحلاق! كيف نسيت الأمر؟"، نظرتُ في ساعتي، كانت الثامنة مساءً، فقلتُ في نفسي بصوتٍ خافت "الوقت ما زال مبكرًا"، انطلقتُ بدراجتي النارية التي كان محركها يزمجر في شوارع القرية الهادئة، متجهًا صوب "الحلاق البيرفكت".
عند وصولي، أطفأتُ المحرك، وحلّ محله صوتٌ غريب، صوت "همهمة" بشرية لا تنتهي! تسمرتُ في مكاني، وشعرتُ وكأن فكي سقط مترًا من هول الصدمة؛ طابور طويل يمتد من قلب المحل وصولاً إلى الشارع، وأصوات الأقدام وهي تتحرك بملل تخلق إيقاعًا محبطًا.
أيقنتُ حينها أن ليلتي ستكون "صباحي"، اقتربتُ من آخر شخص في الصف، وقلتُ بتوجس "مساء الخير"، فرمقني بنظرة نارية حارقة، وسمعتُ صوت "صرير" أسنانه وهو يضغط عليها قائًلا: "انتظر دورك يا غالي، أنا هنا منذ الصباح!"، هززتُ رأسي بطاعة وانسحبتُ للخلف سريعًا.
مرت الساعات، و صوت "تكتكة" مقص عم محمود من الداخل تصل إلينا ببطء شديد، وفجأة، ظهر صديق قديم لا أطيقه ولا يطيقني، و بابتسامة ساذجة قال "أهلاً يا سليم! عاش من شافك"، رددتُ بعفوية "ربنا يشوفك"، وحين رأيتُ شرارة الغضب في عينيه تداركتُ الموقف بسرعة "أقصد.. فرحتُ برؤيتك!"، لكن نظراته لم تهدأ، وبلمح البصر، وسط جلبة الزبائن، وجدتُ نفسي مطرودًا من الصف وقد احتل مكاني وهو يضحك بصوتٍ مستفز قائلاً: "اذهب يا غالي وابحث لك عن مكان آخر!".
عدتُ لآخر الصف بقلة حيلة، وطال انتظاري حتى غلبني النعاس تمامًا وسط أصوات البعوض والمارة، استيقظتُ مفزوعًا على يدٍ تهزني وصوت ضحكة مكتومة، فصرختُ: "هل جاء دوري؟"، فانفجر الرجل ضاحكًا وقال: "أنت لست في الصف أصلاً!"، نظرتُ بصدمة لأجد الزحام كما هو، وصوت الماكينة في الداخل لا يتوقف، تنهدتُ بضيق، كانت الساعة قد بلغت الواحدة ليلاً، متى سأحلق؟!
وقفتُ من جديد، وأخيرًا، جاء دوري! دخلتُ المحل فاستقبلني صوت "طنين" الماكينة المنهكة، وجدُت عم محمود وحاله يرثى لها؛ سوادٌ تحت عينيه، وقد ربط دماغه بقطعة قماش ليقاوم الصداع والنوم، ناديته بصوت خافت فلم يرد، فصرختُ: "عم محموووود!"، فقفز من مكانه فزعًا وهو يهذي "حاضر.. حاضر!". بدأ الحلاقة لي، وكان صوت المقص فوق أذني يشعرني بالخطر من شدة تعبه، لكنني كنتُ أضحك بصمت على منظره وهو يترنح، والحمد لله، انتهيتُ أخيرًا، وبمجرد خروجي، سمعتُ صوت "تنبيه" هاتف يذيع تكبيرات العيد: "الله أكبر، الله أكبر.."، نظرتُ في ساعتي فإذا هو وقت الصلاة، والشمس بدأت ترسم خيوطها الأولى!