مروان وإخوته في غزة

تصميم| محمد صلاح

كتب/ت عمر عسران
2025-08-06 12:08:37

في محافظة المنيا ، كان "مروان" شابًا عاديًا...

يدرس، يعمل، يساعد أمه، ويضحك حين تضحك الحياة

لكنه لم يكن كبقية الناس.

في داخله شيءٌ لا يهدأ.

في قلبه وجع لا يُعرف له سبب واضح...

إلا أنه كان يرى العالم بوجهين، أحدهما يعيش فيه، والآخر... يعيش في فلسطين.

في أحد الأيام، عاد مروان إلى المنزل، كانت أمّه قد أعدّت له مائدة غنية:

أرز، لحم، سلطة، خبز ساخن، وكوب عصير برتقال.

جلس أمام الطعام، نظر إليه طويلاً.

أمسك بالملعقة، وقبل أن يضعها في فمه، تخيّل وجه طفل من غزة، أسنانه غير مكتملة، عيناه شاحبتان من الجوع، ينظر عبر الشاشة، لا يطلب طعامًا، بل يطلب حياة.

ارتجفت يد مروان، وغصّ حلقه.

ترك الملعقة، وأغلق الطبق، ثم جلس في زاوية الغرفة وبدأ يبكي كطفل.

قال في نفسه:

كيف آكل؟ من أنا لأشبع، وهم جائعون؟ كيف أستمتع بلقمة، وهم يأكلون من سلال الإغاثة؟

في الليل، دخل مروان غرفته، خلع ثيابه، تمدد على سريرٍ ناعم ودافئ، تكييف الغرفة يعمل، وضوء خافت يُريح العين.

لكن عينيه لم تُغلق.

كلما أغلقها، سمع دويّ انفجار...

رأى طفلًا مغطىً بالغبار، أمًا تصرخ، أبًا يحفر بيديه وسط الركام.

رأى خيمة تمزقها الرياح، وبردًا يتسلل إلى جسد طفل لا يملك بطانية.

قلبه لم يتحمّل.

قام من على سريره، فرش بطانية على الأرض، ونام عليها.

قال:

سأنام على الأرض... لعلّني أشعر بهم قليلًا.

دعاه صديقٌ لحفل زفاف.

"تعال افرح معانا، غير جو، الدنيا مش كلها هم وبعدين بإيدينا اي نعمله ؟"

وافق مروان على مضض.

الموسيقى تعلو، الناس ترقص، يضحكون، يأكلون، يوزّعون الحلوى.

أما هو، فوقف على الطرف، ينظر للأنوار، فيراها لهبًا يحرق خيام غزة.

يسمع الزغاريد، فيسمع صداها كصراخ ثكلى فقدت أبناءها.

انسحب من القاعة، وقف في الشارع المظلم، رفع رأسه للسماء وقال:

"يا رب... هل أنا في الجهة الخطأ من العالم؟"

"هل خلقتني لأنسى، أم لتذكرني بكل لحظة أن هناك من يموت وأنا أرقص؟"

في العيد، اشترى الجميع ملابس جديدة، لحوم، حلويات.

أما مروان، فقد اشترى ثلاث شنط ملابس ولعب أطفال، وذهب بها إلى أقرب جمعية خيرية ترسل لفلسطين.

بكى وهو يسلّمهم الأكياس وقال:

اعذروني... لا أملك الكثير، لكن قلبي كله هناك.

عاد إلى بيته، صلّى وحده، ولم يذبح خروفًا، بل ذبح سعادته.

كلّ يومٍ، كان مروان يسأل نفسه:

"متى تنتهي هذه الحرب؟ متى يستطيع قلبي أن يهدأ؟"

لكنه لا يجد جوابًا.

وفي إحدى الليالي، كتب في دفتره: أنا لا أنتمي لهذا الهدوء، فهناك من يصرخون... وأنا أسمعهم حتى في صمتي.

سأُسأل عنهم، وسأقف أمام ربي، إما بحجّة... أو بعارٍ لا يُغسل أبدًا.

ولا تنسوا: سنُسأل...

عن صمتنا، عن جمودنا، عن غفلتنا،

وعن أطفالٍ ماتوا جوعًا، ونحن نتفنن في وصف الطعام.