حكايتي مع الحياة

تصميم| محمد صلاح

كتب/ت عمر عسران
2025-08-15 21:00:06

رغم أني بلغتُ من العمر عتيًّا، لكن لا تزال ذاكرتي تحفظ تفاصيل حياتي بكل ما فيها من ألمٍ وصبرٍ وكفاح، وكأنها نُقشت على حجر القلب. وُلدتُ في أسرةٍ فقيرةٍ للغاية، لم يكن لنا من الدنيا سوى سقفٍ يكاد يسقط فوق رؤوسنا كل شتاء، ولقيماتٍ شحيحةٍ لا تسد جوعنا الملحّ. لم أكن كباقي الأطفال الذين يحلمون بالدمى الملونة ويلعبون في الحقول، بل كنتُ أستيقظ مع خيوط الفجر الأولى لأعمل في بيوت الأغنياء مقابل قروشٍ معدودة، أمسح الأرض وأكنس الزوايا وأغسل الأطباق المتسخة، وكنتُ راضيةً بما قسمه الله لي، مؤمنةً بأن الخير يكمن في القناعة. ذات مرة، تذكرتُ أمي وهي تمسح دمعةً متوارية وتقول لي: "الله كريم يا بنتي، سيُفرجها علينا يومًا."

في سنٍّ صغيرة لم تتجاوز الرابعة عشرة ربيعًا، زُوِّجتُ لرجلٍ يكبرني بسنواتٍ كثيرة، كان وجهه يحمل تجاعيد الدهر قبل أوانه، لم أكن أفهم معنى الزواج ولا مسؤولياته الجسام، لكنني كنتُ أعلم بفطرتي أن الحياة لن ترأف بي، وأن عليّ أن أكون قوية. أنجبتُ منه ثلاثة أطفال، ولدين وبنتًا، كانوا هم النور الوحيد الذي أضاء عتمة حياتي، أعيش من أجل ابتساماتهم البريئة، وأتحمل مشقة الأيام ولياليها الطويلة لأجل مستقبلهم. أتذكر فرحتي الأولى عندما احتضنت ولدي البكر، شعور لم أختبر مثله قط. لكن الحياة لم تترك لي فسحةً من الراحة، فسرعان ما تُوفِّي زوجي بعد سنوات قليلة قضيناها معًا، ووجدتُ نفسي وحيدةً في مواجهة الدنيا القاسية، لا مال لدي يُعينني، ولا سند قويّ أتّكئ عليه. قال لي بعض الناس الذين ظنوا أنهم يحسنون إليّ: "لا طاقة لكِ بهؤلاء الصغار، دعيهم في الملجأ، فهناك سيجدون من يعتني بهم ويُطعمهم." لكن كيف لأمٍّ أن تتخلى عن فلذات كبدها، عن رائحة أنفاسهم التي تملأ البيت؟ رفضتُ بشدةٍ وقاطعًا وقلت بقلب يعتصره الألم: "أنا أمٌّ، ولن يربي أطفالي غيري، ولو كنتُ سأموت جوعًا."

بدأتُ رحلة كفاحي الحقيقية، وكانت قاسيةً ومرهقةً، لكن من رحمة ربي بي وأطفالي، وبتوفيق منه، توظفت كعاملةً بسيطةً في أحد المستشفيات القريبة. لم أهنأ بيوم راحةٍ حقيقي، ولم أشتكِ أبدًا من تعبي، كنتُ أرى في وجوه أطفالي الصغيرة أملًا وبراءةً يجعلاني أتحمل كل شيء وأستمد منه قوةً عجيبة. مرت السنوات ثقيلةً وبطيئةً، وكبر أبنائي أمامي، وتعلموا في مدارس القرية وتخرجوا وعملوا بجدّ رغم قسوة الظروف المحيطة بنا، وكأنها معجزةٌ من الله الرحيم. كنتُ دائمًا أوصي ابنتي الكبرى بأخويها الأصغر منها، وأقول لها بقلب الأم الخائف: "يا بنيتي، خذي بالك منهم من بعدي، فأنتِ ستكونين مكاني وهم كل ما أملك في هذه الدنيا."

بعد سنواتٍ من الصبر المضني والكفاح المستمر، تزوجتُ ابن خالتي، كان رجلًا طيبًا وحنونًا، و كأنه تعويضٌ من الله لي عن سنوات الحزن والتعب التي قاسيتها، ورُزقتُ منه بولدٍ آخر بعد سنوات. ورغم طيبته لم يكن يُخفف عني مسؤولية أطفالي الثلاثة الأوائل الذين وهبتُ لهم شبابي وحياتي. كنتُ أقسم وقتي وجهدي بين الجميع، وأسعى جاهدةً لتربيتهم تربيةً صالحة.

لكنني لم أكن أعلم أن القدر كان يُخبئ لي ألمًا لم يخطر ببالي قط. فقدتُ ابني الأكبر أولًا، كان شابًا طيب القلب، رحل في ليلة النصف من شعبان، وكأن الله اختاره في ليلةٍ مباركة ليُلحقه بالصالحين. لم تحتمل أخته الصغرى فراقه، كانت روحهما متعلقتين ببعضهما بشدة، فتبِعته بعد خمسة عشر يومًا فقط، في أول يوم من شهر رمضان الكريم، وكأن قلبها الرقيق لم يحتمل ألم الفراق. لم أفق بعدُ من الصدمة الأولى حتى جاءني الخبر الصاعق بعد تسعة أشهرٍ فقط: ولدي الثالث، سندي وعوني في الحياة، التحق بإخوته في حادثٍ مروع أثناء عودته من عمله في المدينة. شعرتُ حينها وكأن قلبي قد تحطم ألف قطعة، وأن الدنيا كلها قد أظلمت في عينيّ.

تركوني وحيدةً، لكنهم لم يرحلوا تمامًا، فقد تركوا خلفهم أربعة أحفاد، أبناء ابني الأكبر وابنتي، وكذلك ابني الصغير، كانوا عزائي وسلوتي في وحدتي. شعرتُ وكأن الله يعيد لي حياتي من جديد في وجوههم البريئة، نفس الألم القديم يتجدد في قلبي خوفًا عليهم، نفس المسؤولية الكبيرة تقع على عاتقي مرة أخرى، لكنني لم أضعف ولم أستسلم لليأس. أخذتُ بأيديهم الصغيرة كما أخذتُ بيد آبائهم من قبل، ربيتهم وسهرتُ على راحتهم، كافحتُ لأوفر لهم لقمة العيش الكريمة و ليكملوا تعليمهم الذي حرم منه آباؤهم في صغرهم، حتى جاء اليوم الذي رأيتُ فيه أحفادي يكبرون ويتزوجون، ومن بقي منهم في طريق العلم يمضي بخطى ثابتة نحو مستقبل أفضل.

واليوم، وأنا أجلس في هذه الزاوية الهادئة من الدنيا، أتأمل ماضيَّ البعيد وأتذكر كل ما مررتُ به من أفراح قليلة وأحزان عميقة، لا أشعر بالندم على شيء، بل يملأ قلبي شعور بالفخر والرضا. نعم، شقيتُ وتعبتُ كثيرًا، لكنني لم أضعف يومًا أمام قسوة الظروف، ولم أترك أطفالي وأحفادي للضياع في مهب الريح. صنعتُ من الفقر قصة حياة، ومن الألم قوةً وصبرًا، ومن اليُتم سندًا وعونًا. هذه حكايتي، وهذا هو قدري الذي اختاره الله لي، وأنا راضيةٌ به كل الرضا، مؤمنةً بأن الله لا يضيع أجر الصابرين