العوم في الترع.. أطفال المراغة بين شغف السباحة والبلهارسيا أو الغرق

تصوير: حبيبة حجازي - العوم في الترع

كتب/ت حبيبة حجازي
2026-09-08 11:48:49

"كان بينزل الترعة علشان يعوم، مكنش قدامي مكان تاني أعلمه فيه السباحة".. تروي نصرة محمد، والدة أحمد عزيز، 15 عامًا، من قرية نجع الماسخ بمركز المراغة في محافظة سوهاج، كيف اضطر ابنها إلى ممارسة السباحة في مياه الترعة، في ظل عدم وجود حمام سباحة قريب ومنخفض التكلفة يمكنه التدريب فيه.

تقول نصرة إن أحمد يحب السباحة، وكان يحرص على النزول إلى الترعة خلال فصل الصيف لممارستها، رغم تحذيراتها المتكررة له من مخاطر المياه المفتوحة: "اتصاب مرة بسبب زجاج مكسور جوه الترعة، لأن الترع فيها حشرات ومخلفات".

يعاني أهالي مركز المراغة، الذي يضم 23 قرية، من عدم وجود حمامات سباحة داخل مراكز الشباب الحكومية البالغ عددها 23 مركز شباب، بواقع مركز شباب في كل قرية. 

ويدفع غياب هذه المنشآت الراغبين في تعلم السباحة إلى الاختيار بين تحمل تكاليف الانتقال والتدريب في حمامات السباحة الخاصة، التي قد تكون مرتفعة بالنسبة للأسر، أو اللجوء إلى الترع لممارسة السباحة، بما تحمله من مخاطر الإصابة والغرق والتعرض للمياه الملوثة والمخلفات.

قرى بلا حمامات سباحة.. والخاص بديل!

بالنسبة إلى أحمد، فإن أقرب مكان متاح لممارسة السباحة هو أكاديمية أو نادٍ خاص يبعد نحو 4 كيلومترات عن محل إقامته، وتتراوح تكلفة التدريب فيه بين 70 و100 جنيه للساعة الواحدة، وهو ما يضيف عبئًا ماديًا على الأسرة إلى جانب تكلفة الانتقال.

ويكشف هاني أبو رحاب، مدير إدارة الشباب والرياضة بمركز المراغة، أن 23 مركز شباب حكومي و5 أندية خاصة بالمركز لا تضم حمامات سباحة، مرجعًا ذلك إلى عدم توافر خدمات الصرف الصحي، التي تعد أحد الشروط الأساسية لإنشاء وتشغيل حمامات السباحة.

ويوضح لـ"أهل سوهاج" أن من بين المنشآت التي لا تتوافر بها حمامات سباحة مركز شباب السمارنة، ومركز شباب الغريزات، ونادي الشبان المسلمين، مشيرًا إلى وجود خطة لإنشاء حمامات سباحة بمركزي شباب السمارنة والغريزات، فور استيفاء المتطلبات اللازمة.

وخلال جولات ميدانية أجرتها معدة التقرير في مركز المراغة الذي يقطن به 388.474 نسمة، تنقسم الترع إلى نوعين: الأول هو الترع الرئيسية، التي تتراكم فيها أنواع مختلفة من المخلفات، من بينها أكياس الأطعمة، وفضلات الحيوانات، وبقايا ومخلفات المواشي، وحفاضات الأطفال، والأقفاص الخشبية، والزجاجات البلاستيكية والزجاجية، فضلًا عن إلقاء بعض الأهالي للقمامة داخل المياه.

أما النوع الثاني، يتمثل في الترع الفرعية الصغيرة، التي تبدو المياه فيها راكدة في بعض الأجزاء الضيقة، مع تراكم المخلفات حولها وداخلها، بينما تبدو المياه داكنة تميل إلى السواد، سواء في الترع الرئيسية أو الفرعية، بما يزيد من مخاطر استخدامها للسباحة.

وكان أحمد حسين، 30 عامًا، أحد أهالي نجع الماسخ، يرغب في تعليم ابنه السباحة، إلا أن ارتفاع تكلفة التدريب، إلى جانب نفقات الانتقال، يمثلان عائقين أمامه: "لما سألت عن التدريب لقيت إن الاشتراك حوالي 2000 جنيه، غير تكلفة المواصلات في كل مرة. العربية بتكلف حوالي 7 جنيهات للفرد الواحد، والتوك توك ممكن يوصل لـ20 جنيه".

يؤكد تلك الأسعار محمد جلال، مدير نادي "ديسباسيتو" الخاص بمركز المراغة، أن النادي يعتمد في تدريبات السباحة على نظام الاشتراكات، وليس الدفع مقابل الحصة الواحدة، مشيرًا إلى اختلاف الأسعار بحسب نوع التدريب وعدد المتدربين.

ويبلغ سعر الاشتراك الجماعي 400 جنيه مقابل 6 حصص لمجموعة تضم 6 أفراد، و450 جنيهًا مقابل 8 حصص للمجموعة نفسها، بينما يصل إلى 600 جنيه مقابل 8 حصص لمجموعة تضم 4 أفراد.

أما التدريب الخاص، أو ما يعرف بـ"البرايفت"، فتبلغ تكلفته 2000 جنيه مقابل 8 حصص لفرد واحد مع مدرب، بما يعادل 250 جنيهًا للحصة الواحدة.

كما يوفر النادي اشتراكًا لمدة 3 أشهر بقيمة 1050 جنيهًا بدلًا من 1350 جنيهًا، بواقع 8 حصص شهريًا، بإجمالي 24 حصة خلال فترة الاشتراك.

تكلفة السباحة تدفع الأطفال للترع 

ويرى الدكتور حمدي عرفة، أستاذ الإدارة الحكومية والمحلية، أن نقص الخدمات الرياضية في القرى ينعكس بصورة مباشرة على جودة حياة سكانها، في ظل تحول الرياضة إلى خدمة أساسية ترتبط بالصحة العامة، وتنمية قدرات الشباب، واستثمار أوقات الفراغ. 

ويشير إلى "أهل سوهاج" إلى أن تركز المنشآت الرياضية في المدن يحمّل أبناء القرى أعباء مالية وزمنية إضافية للحصول على خدمات يفترض أن تكون متاحة داخل مجتمعاتهم المحلية.

وبحساب تكلفة الحصة، يتراوح متوسط سعر التدريب في الاشتراكات الجماعية بين نحو 56 و75 جنيهًا للحصة، بحسب عدد أفراد المجموعة ونظام الاشتراك، بينما يصل سعر الحصة في التدريب الخاص إلى 250 جنيهًا، دون احتساب تكلفة الانتقال إلى النادي.

ولا يقتصر اللجوء إلى الترع لممارسة السباحة على الأطفال، إذ يضطر بعض الشباب أيضًا إلى النزول إلى المياه المفتوحة في ظل غياب أماكن قريبة ومجهزة للتدريب. يقول يوسف محمود، 17 عامًا، من قرية الشيخ شبل: "أنا بحب السباحة، لكن المشكلة إن مفيش مكان قريب للتدريب، ولازم الواحد يروح المراغة وهيكون مكان خاص".

وتقول نورة علي، من قرية بناويط، إن كثيرًا من الأسر ترغب في تعليم أبنائها السباحة، لكنها تجد صعوبة في تحمل تكلفة التدريب بصورة مستمرة.

وتضيف: "أنا نفسي أولادي يتعلموا السباحة، لأنها رياضة مهمة، بدل النزول للترع لأن فيه حادثتين غرق حصلت عندنا لأطفال، اشتراك التدريب اللي عرفناه حوالي 1500 جنيه، غير المواصلات"، مشيرة إلى أن هذه التكلفة قد تجعل الانتظام في التدريب أمرًا صعبًا بالنسبة لبعض الأسر.

ويشير مقال توعوي نشره مركز الأناضول الطبي إلى أن حمامات السباحة يمكن أن توفر بيئة آمنة لممارسة السباحة عند الالتزام بإجراءات النظافة والتعقيم، وأن تطبيق الاشتراطات الصحية يساعد على تقليل مخاطر انتقال الأمراض المرتبطة بالمياه.

ولا يقتصر خطر السباحة في الترع والمياه الراكدة على الغرق، إذ يحذر الدكتور هشام عبد الهادي، استشاري أمراض الباطنة، من مخاطر صحية متعددة، أبرزها العدوى البكتيرية والطفيلية والفطرية، والتي قد تسبب اضطرابات بالجهاز الهضمي، والتهابات في العين والأذن والأنف والحنجرة، وطفحًا وحكة جلدية. 

كما يشير إلى احتمالية الإصابة بالبلهارسيا في بعض الترع والمصارف، وما قد تسببه من مضاعفات صحية خطيرة عند إهمال علاجها.

مخاطر صحية ومواهب مهدرة

ويحذر عبد الهادي كذلك من احتمالية تلوث بعض الترع والمصارف بالمخلفات الصناعية والكيميائية، التي قد تتسبب في أمراض جلدية وتنفسية ومضاعفات أكثر خطورة عند ملامسة المياه أو ابتلاعها، مؤكدًا أن غياب الرقابة على مصادر التلوث يجعل استخدام هذه المياه للسباحة مصدرًا لمخاطر صحية تتجاوز مجرد احتمالية الغرق.

وعن أثر غياب حمامات السباحة في القرى، يؤكد الكابتن أحمد خالد، خبير رياضي، أن التعامل مع حمامات السباحة باعتبارها مجرد منشآت تكميلية لمراكز الشباب يمثل تصورًا خاطئًا، مشددًا على أن توفير هذه المنشآت يجب أن يرتبط برؤية أوسع لاكتشاف المواهب في الرياضات المائية وإعداد أبطال قادرين على المنافسة.

ويقول لـ"أهل سوهاج": "الهدف يجب أن يكون اكتشاف بطل أوليمبي في مختلف الرياضات المائية"، معتبرًا أن إتاحة السباحة للأطفال والشباب جزء من الاهتمام بالرياضة وتنمية الإنسان.

ويتفق ذلك مع ما يراه أحمد الجعفري، أخصائي نفسي وعلاج الإدمان وتعديل السلوك، من أن حرمان الأطفال من ممارسة الرياضة قد يؤثر في نموهم النفسي والاجتماعي، إذ تسهم الرياضة في تعزيز الثقة بالنفس، وتنمية مهارات التواصل والعمل الجماعي، وتقليل التوتر والضغوط النفسية، إلى جانب تحسين الصحة البدنية وتعزيز الانضباط. 

وفي ظل صعوبة إنشاء حمامات سباحة أولمبية كاملة في كل مركز، يقترح الدكتور حمدي عرفة، أستاذ الإدارة الحكومية والمحلية، بدائل أقل تكلفة، من بينها إنشاء حمامات سباحة تعليمية صغيرة داخل مراكز الشباب، مع الاستعانة بالقطاع الخاص والمجتمع المدني من خلال بروتوكولات شراكة مع الجمعيات الأهلية والبنوك والشركات ضمن برامج المسؤولية المجتمعية. 

في المقابل، يوضح هاني أبو رحاب، مدير إدارة الشباب والرياضة بمركز المراغة، أن الإدارة توفر أنشطة رياضية أخرى، من بينها كرة القدم، مع وجود تنسيق مستمر مع الوحدة المحلية لمركز المراغة للتوسع في إنشاء وتطوير مراكز الشباب والأندية.

وبينما يرى المختصون أن السباحة تتجاوز كونها رياضة لتصبح مهارة للسلامة وفرصة لاكتشاف المواهب، يظل أطفال وشباب قرى المراغة في انتظار مكان آمن يمارسون فيه السباحة، بعيدًا عن مخاطر الترع والمياه المفتوحة.