"لم أكمل 16 عامًا عندما أجبرني أبي على الزواج من رجل يكبرني بـ15 سنة، قالوا لي إن الزواج سُترة، لكن لم يخبرني أحد أنني سأخسر طفولتي وتعليمي وأطفالي جميعًا".
قبل ثلاثة أعوام من الآن، زُوِّجت منار محمد، فتاة من قرية المراغة بمحافظة سوهاج، قسرًا بقرار من والدها الذي أجبرها على ترك المدرسة وهي في الصف الثالث الإعدادي، بدعوى أن "مكان البنت في بيت زوجها".
تمت إجراءات الزواج بشكل غير رسمي، حيث عُقد القران على يد مأذون عرفي، مقابل أجر قدره 3 آلاف جنيه، وسُجّل الزواج في دفتر خاص يحتفظ به المأذون لحين بلوغ منار السن القانوني، 18 عامًا، ليُوثق الزواج رسميًا لاحقًا في الشهر العقاري.
إجهاض متكرر
بعد شهرين من الزواج، حملت منار، لكن الحمل لم يكتمل، وتعرضت لنزيف حاد أدى إلى إجهاض في الشهر السابع، وبعد علاج بالأدوية والمكملات، حملت مجددًا بتوأم، إلا أن الولادة جاءت مبكرة، في الشهر السابع أيضًا، ما استدعى وضع الطفلين في الحضانة، ليفارق أحدهما الحياة فورًا، ويتبعه الثاني بعد أسابيع قليلة.
وفي حمل ثالث، لم يكتمل نمو الطفل، وتوفي هو الآخر داخل الحضانة، تقول منار: "دخلت في نوبة اكتئاب، لأنني من البداية تركت المدرسة وتزوجت رجل لم أعرفه، ولا أعرف معنى الزواج وحملت ثلاث مرات، والآن أنا عمري 20 عامًا فقط لكنني كبرت قبل الأوان".
يُزوج أهالي في قرى بمحافظة سوهاج بناتهم القاصرات تحت ذريعة "سترة الفتيات"، من خلال مأذون يُعرف محليًا بـ"المأذون العرفي"، والذي يحرّر عقود زواج غير رسمية تُدوَّن في دفاتر خاصة دون توثيقها في الشهر العقاري، وتُؤجَّل توثيق الزواج رسميًا حتى بلوغ الفتاة السن القانوني، لكن تتعرض الفتيات للطلاق أو الإجهاض خلال تلك الفترة، ما يؤدي إلى ضياع حقوقهن القانونية، في غياب رقابة وزارة التضامن الاجتماعي.
- تعرف الأمم المتحدة زواج القاصرات بأنه أحد أشكال تزويج الأطفال بالإكراه ويعرض الفتيات للعنف.
- ينص القانون المصري على منع توثيق زواج طرفين قبل بلوغهما 18 عامًا، وفقًا للمادة 31 مكرر من قانون الأحوال المدنية رقم 126 لسنة 2008.
استطاع والد منار تزويجها قسرًا بالتحايل على القانون من خلال المادة 5، التي تنص على عدم توثيق عقد الزواج لمن لم يبلغ 18 عامًا، وتُعاقب من يخالف ذلك تأديبيًا، لكن هذه المادة تُبقي الباب مفتوحًا أمام تزويج القاصرات عرفيًا، إذ لا تمنع الزواج نفسه، بل تؤجل توثيقه حتى بلوغ السن القانوني، ما يتيح لولي الأمر تزويج الفتاة بحضور شاهدين وموظف شرعي يكتفي بتعهد كتابي بإتمام التوثيق عند بلوغها 18 عامًا.
لذا تطالب الدكتورة إيناس عبدالحليم، عضو لجنة الصحة بمجلس النواب، بتشديد العقوبات على المأذون أو كاتب عقد زواج القاصر لغلق الباب أمام تلك الثغرة، مع تطبيق العقوبة أيضًا على الشاهدين وعلى الأب أو الوكيل في حال غياب الأب، بحيث تشمل هذه العقوبات الحبس المشدد.

وتوضح لـ"أهل سوهاج": "يصبح مصير الفتيات معلقًا في حال وفاة المأذون قبل تسجيل الزواج رسميًا، لذلك فإن تزويج القاصر بدافع فقر الأهل لا يُعد زواجًا بالمعنى القانوني أو الشرعي، بل هو أشبه ببيع القاصر واستغلالها".
تسجيل الزواج في دفاتر الحكومة
يؤكد محمود صابر، مأذون في قرية المراغة، بأن عملية الزواج العرفي تتم بتسجيل بيانات العروسين يدويًا في دفتر خاص دون تسجيله في الشهر العقاري، ثم يُجرى عقد القران في المسجد للإشهار، مقابل رسوم المأذون وتُقدر بـ 3000 جنيه، وهي نفس الرسوم التي تُحصّل في الزواج القانوني.
ويوضح أن العروسين يوقعا على إيصال أمانة غير محدد القيمة، لضمان حقوق الزوجة في حال طلاقها قبل توثيق عقد الزواج الرسمي، كما يُوقّع الزوج ووالد العروس أيضًا على إيصال آخر يحتفظ به المأذون، يتعهدان فيه بعدم تقديم بلاغات قانونية ضده.
- يعتبر قانون مكافحة الاتجار بالبشر رقم 64 لسنة 2010 زواج القاصرات شكلًا من أشكال الاتجار، ويُعاقب مرتكبه بالسجن المؤبد وغرامة تصل إلى 100 ألف جنيه.
بينما ترى مها أبو بكر، المحامية وعضو لجنة المرأة في نقابة المحامين، أن القانون حتى الآن لا يشكل رادعًا كافيًا أو تصديًا فعّالًا لجريمة تزويج القاصرات، موضحًة أن "المأذون أو أي شخص يعقد هذا الزواج وهو يعلم أن الزوجة قاصر، لا يتعرض لعقوبة مشددة نتيجة المادة 5".

وتضيف لـ"أهل سوهاج": "الأخطر عند حدوث حمل فلا يمكن تسجيل الطفل لأن الزواج غير موثق، مما يحرم الفتيات من حقوقهن القانونية، مثل طلب الطلاق أو رفع خلع ونفقة، ويجعلها عالقة في زواج غير رسمي يدمّر حياتها".
ذلك ما حدث مع رحمة كامل، فتاة من المراغة، حين كانت في الخامسة عشرة من عمرها، إذ أجبرها والدها على ترك المدرسة والزواج من ابن عمها الذي يكبرها بإحدى عشرة سنة، تقول: "خرجوني من المدرسة وجوزوني ومكنتش فاهمة حاجة".
وعُقد الزواج عبر الإشهار بين الأهل والمعارف دون تسجيله رسميًا، ولم تكن رحمة مستعدة للزواج مما عرضها للعنف الجسدي من زوجها، وحين أنجبت ابنها لم تستطع تسجيله قانونيًا، وتركها زوجها دون حقوق قانونية أو اجتماعية.
آثار اجتماعية
تشير الدكتورة جيهان النمرسي، أستاذ علم النفس بجامعة الأزهر والمستشارة النفسية والإرشاد الأسري، أن تزويج القاصرات يعود للأعراف أو الفقر، موضحة أن الفتاة هي فقط من تجني مخاطر صحية ناتجة عن الحمل المبكر.
- ارتفع معدل الفقر في مصر من 27.8% في عام 2015 إلى 32.5% في عام 2018.
- نحو 66% من المصريين يعيشون تحت خط الفقر.
تتفق هذه البيانات مع دراسة للدكتورة هالة عبدالعظيم مدني، أستاذة بكلية الخدمة الاجتماعية بجامعة حلوان، نُشرت عام 2022، تؤكد أن العوامل الثقافية والفقر من أبرز أسباب انتشار تزويج القاصرات، مشيرةً إلى ما يترتب عليه من آثار صحية ونفسية خطيرة تهدد مستقبل الفتيات.
وتوضح جيهان لـ"أهل سوهاج": "كما يؤثر الأمر نفسيًا واجتماعيًا عليها، إذ يؤدي لفقدان الفتاة طفولتها وحرمانها من التعليم، ويزيد من فرص تعرضها للعنف الزوجي والاستغلال، وتعميق الفقر والجهل وتهديد الاستقرار الاجتماعي للأسر".
- وصلت عقود الزواج في مصر إلى 961 ألف عقد العام 2023 مقابل 929 ألف عقد العام 2022.
- استحوذت سوهاج على 52 ألف حالة زواج منهم، بينما شكلت الأرياف نسبة زواج بـ59.2% مقارنة بـ40.8% للحضر.
تروي خلود السيد، فتاة من قرية المراغة، كيف سُلبت طفولتها في الثالثة عشرة من عمرها حين أجبرها والدها على ترك المدرسة والزواج من أحد أقاربها الذي يكبرها بـ 12 عامًا: "تحولت في تلك الليلة من فتاة تلهو مع الأطفال إلى أخرى تحملت ضغوطًا نفسية وجسدية هائلة".
بنفس الطريقة زوجت خلود دون توثيق عقدها في الشهر العقاري، وبدأت حياتها في منزل عائلة الزوج، تتعرض لجميع أنواع العنف وعندما كانت تشكو لوالدها، كان يرد: "هو ده الجواز".
حملت خلود بعد عام، أي في عمر 14 عامًا، لذا عانت من مضاعفات صحية حادة، ثم واجهت مع طفلها النحيل سوء تغذية وإهمالًا ناتجًا عن صغر سنها وقلة خبرتها، لتعود إلى بيت أبيها لا متزوجة ولا مطلقة بل طفلة معلقة لديها طفل غير موثق في سجلات الدولة.
- تشكل زيجات القاصرات في مصر نحو 12% من إجمالي حالات الزواج.
- ترتفع معدلات الزواج في الأرياف إلى 59.6% مقابل 40.4% بالحضر.
وتؤكد المحامية مها: "تُعَدّ هذه الأرقام انعكاسًا مباشرًا لقصور التشريعات المصرية في التصدي لزواج الأطفال، ففي عام 2008 أُدخلت تعديلات على قانون الطفل والأحوال المدنية، نصّت فقط على حظر تسجيل عقود الزواج لمن هم دون سن الـ18، دون أن تضع عقوبات جنائية على من ينظّمون هذه الزيجات".
في ديسمبر العام 2021، قدمت النائبة إيناس عبدالحليم، عضو مجلس النواب، أول مشروع قانون صريح لتجريم تزويج القاصرات، استنادًا إلى المادة 80 من الدستور إلا أنه توقف مع تعاقب الجلسات، وهنا تشير المحامية مها إلى أن محاربة تزويج القاصرات تبدأ بتجريمه والاعتراف به قانونيًا حتى لا تدفع الفتيات وحدهن الثمن.
تظل منار أسيرة زيجة قسرية فقدت خلالها ثلاثة أطفال، وتعيش رحمة بلا حقوق قانونية بعد أن تُركت وطفلها غير المسجل، بينما تجد خلود نفسها طفلة معلقة تحمل عبء تربية ابن نحيل خارج دفاتر الدولة.
جميع الأسماء المذكورة في هذا التقرير، مستعارة بناءً على طلبهم\هن وحفاظًا على هويتهم\هن.