"بني هلال" وحدة بيطرية بلا أطباء أو أدوية.. مواشٍ تموت ومربون يخسرون

تصوير: حبيبة حجازي - وحدة بني هلال البيطرية

كتب/ت حبيبة حجازي
2026-08-20 12:28:35

"فضلت المعزة تتألم لأكثر من ساعة، أنا والجيران حاولنا نساعدها تولد، لكن الجنين كان محبوس، ولما جريت بيها على الوحدة البيطرية لقيتها مقفولة"، بهذه الكلمات تستعيد سناء أيمن، من عزبة بني هلال التابعة لمركز المراغة بمحافظة سوهاج، الساعات الأخيرة في حياة إحدى ماعزها، التي كانت تمثل مصدر دخل لأسرتها ضمن أربع معزات تعتمد عليهنّ في إعالة المنزل.

تروي سناء أن الماعز تعرضت لتعسّر في الولادة، وسارعت بحملها إلى الوحدة البيطرية الوحيدة بالعزبة أملاً في إنقاذها، لكنها فوجئت بعدم وجود طبيب داخل الوحدة: "استنيت قدام الوحدة يمكن حد ييجي، لكن محدش جه، واضطريت أرجع بيها وهي لسه بتتألم".

وتضيف أن محاولاتها لإنقاذها لم تتوقف، إذ حاولت بعد عودتها إلى المنزل إخراج الجنين بنفسها، إلا أن جميع المحاولات باءت بالفشل، وظل الجنين عالقًا داخل بطنها قرابة ساعتين، قبل أن تنفق الماعز أمام عينيها، لتخسر مصدرًا مهمًا من مصادر رزقها.

يعاني مربو الماشية والأهالي في نجع الماسخ بمركز المراغة من ضعف الخدمات البيطرية، لكون النجع لا يوجد به وحدة بيطرية، بينما تقع أقرب وحدة في قرية بني هلال على بعد نحو خمسة كيلومترات، إلا أنها تفتقر إلى الأدوية والأمصال، فضلًا عن اعتمادها على طبيب بيطري واحد فقط، ما يؤدي إلى تأخر تقديم الرعاية للحيوانات ونفوقها وتكبد المربين خسائر.

تتبع نجع الماسخ مدينة المراغة التي تبلغ مساحتها نحو 926.2 كيلومترًا مربعًا، بما يعادل حوالي 220,523.80 فدانًا، وتمثل نحو 8.40% من إجمالي مساحة محافظة سوهاج، ويصل عدد سكان المركز إلى 388.474 نسمة، بنسبة 8.34% من إجمالي سكان المحافظة.

جولة داخل الوحدة البيطرية

وخلال جولة ميدانية أجرتها معدة التقرير داخل الوحدة البيطرية بعزبة بني هلال، لم تجد أي طبيب بيطري في أثناء الزيارة، بينما كان أحد العاملين يستعد لإغلاق الوحدة. وللتحقق من الأمر، أعادت زيارة الوحدة ثلاث مرات في أوقات مختلفة، إلا أنها لم تجد الطبيب في أي منها، فيما اقتصر الوجود داخل الوحدة على العامل فقط.

وأوضح العامل أن الطبيب لا يتواجد داخل الوحدة في أغلب الأوقات، وأن مواعيد حضوره غير منتظمة، مضيفًا أن العديد من الأدوية البيطرية والأمصال الأساسية غير متوفرة.

وردًا على ذلك أكد الدكتور عاشور شعيب، مدير إدارة المراغة البيطرية، لـ"أهل سوهاج" أن أعمال التحصين والتطعيم بالأمصال تُنفذ من خلال حملات ميدانية تستهدف منازل المربين أو مواقع أخرى، تحددها إدارة المراغة البيطرية وفقًا لخطة العمل.

وحاولت معدة التقرير التواصل مع الدكتور ماجد ناجي، طبيب الوحدة البيطرية لمعرفة آلية عمل الوحدة وكيف يخدم طبيب واحد نجع الماسخ وقرية بني هلال إلا أنه رفض. كما تواصلت معدة التقرير مع الدكتورة صفاء عزازي، مسؤولة المركز الإعلامي بمديرية الطب البيطري بسوهاج، والتي أفادت بأنها لا تمتلك معلومات تفصيلية عن تلك الوحدة البيطرية.

بينما يحذر الدكتور محمد عفيفي سيف، الأمين العام الأسبق للنقابة العامة للأطباء البيطريين، من أن عدم تلقي المواشي الرعاية الصحية داخل الوحدات الحكومية يهدد الأمن الغذائي، لما يترتب عليه من انخفاض جودة المنتجات ذات الأصل الحيواني.

ويوضح لـ"أهل سوهاج" أن ضعف الخدمات البيطرية يؤدي إلى انخفاض إنتاج الألبان واللحوم، وارتفاع معدلات نفوق الحيوانات، وزيادة تكلفة الإنتاج، بما ينعكس سلبًا على المربين والمستهلكين والاقتصاد.

مواشٍ تنفق أمام أصحابها

لم تكن خسارة سناء حالة استثنائية، إذ عاش مصطفى علي، من عزبة بني هلال، التجربة نفسها أكثر من مرة، بعدما فقد نعجتين وماعز كان يربيها بهدف بيعها وتوفير مصدر دخل يساعده وأسرته.

يعمل مصطفى في مواسم الزراعة والحصاد وأعمال الأراضي الزراعية، ويدخر ما يجنيه لشراء صغار الماشية وتربيتها ثم بيعها بعد نموها. لكن حلمه في تحسين دخله اصطدم بتكرار نفوق الحيوانات قبل أن يتمكن من بيعها.

يروي مصطفى أن أولى خسائره بدأت عندما أصيبت إحدى الماعز بعدوى بكتيرية أفقدتها القدرة على الأكل والشرب: "أخذتها للوحدة البيطرية بعزبة بني هلال، لكني لقيتها مقفولة ومفيش طبيب، فرجعت بيها البيت". وفي صباح اليوم التالي، ساءت حالتها، فعاد بها مرة أخرى إلى الوحدة، إلا أنه لم يجد طبيبًا أيضًا، لتنفق الماعز بعد ساعات من الألم.

تعكس بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء تراجعًا في أعداد رؤوس الماشية بمحافظة سوهاج خلال السنوات الماضية، مع وجود تفاوتات واضحة بين عام وآخر. بلغ إجمالي عدد رؤوس الماشية في المحافظة نحو 1640992 رأسًا عام 2016، قبل أن ينخفض إلى 1399511 رأسًا عام 2017، ثم يرتفع مجددًا إلى 1471089 رأسًا عام 2018.

ويشير الدكتور خالد عياد، خبير بمركز البحوث الزراعية، إلى أن ضعف الرعاية البيطرية يؤدي إلى ارتفاع معدلات نفوق الماشية، ما يحمّل الفلاح خسائر اقتصادية كبيرة، تبدأ بفقدان مصدر دخله اليومي، مرورًا بتحمّل تكاليف العلاج البيطري المرتفعة، وصولًا إلى خسارة القيمة الاقتصادية للحيوانات النافقة.

 

كما تُظهر البيانات تحولًا كبيرًا بداية من عام 2019، إذ سجلت المحافظة 504929 رأس ماشية، مقارنة بالأعداد المسجلة خلال السنوات السابقة، ثم تراجع العدد إلى 478271 رأسًا عام 2020، قبل أن يعاود الارتفاع إلى 501687 رأسًا عام 2021، ويواصل الصعود إلى 547880 رأسًا من الماشية عام 2022.

لم تتوقف خسائر مصطفى، في مطلع العام الجاري اشترى نعجة صغيرة لتربيتها، وأثناء عودته بها من الرعي لاحظ انتفاخًا شديدًا في بطنها، فتوجه بها إلى الوحدة البيطرية، لكنه وجدها مغلقة للمرة الثانية. ويضيف أنه ظل يتردد على الوحدة ثلاثة أيام متتالية دون أن يعثر على طبيب، وفي صباح اليوم الرابع وجد النعجة نافقة.

ويؤكد أن هذه الوقائع تتكرر مع كثير من المربين في المنطقة: "كل مرة أشتري ماشية وأتعب في تربيتها، أخاف تمرض وأنا ملاقيش طبيب يلحقها، وفي الآخر أخسرها هي وفلوسي".

بينما يوضح عياد أن كثيرًا من المربين باتوا يحجمون عن شراء أو تربية ماشية جديدة، خوفًا من نفوقها أو تكبّد خسائر نتيجة عدم حصولها على الرعاية البيطرية اللازمة، وهو ما ينعكس سلبًا على تنمية الثروة الحيوانية. 

- بلغ عدد أعضاء نقابة الأطباء البيطريين 74 ألفًا و589 عضوًا عام 2020، وارتفع إلى 77 ألفًا و586 عضوًا عام 2021. كما أظهرت البيانات أن عدد خريجي كليات الطب البيطري بلغ 3869 خريجًا عام 2021، و3836 خريجًا عام 2022، و4486 خريجًا عام 2023، فيما سجل 175 خريجًا خلال عام 2024، وفقًا لأحدث البيانات المتاحة. 

غياب الطبيب.. سمٌ يهدد ماشية سوهاج

يرجع الدكتور محمد عفيفي سيف، الأمين العام الأسبق للنقابة العامة للأطباء البيطريين، نقص الأطباء البيطريين في بعض الوحدات إلى توقف التعيينات الجماعية لخريجي كليات الطب البيطري منذ عام 1994، باستثناء مسابقات محدودة لم تكن كافية لتعويض أعداد المحالين إلى المعاش أو المتوفين.

ويوضح لـ"أهل سوهاج" أن هذا الوضع أدى إلى عجز عددي وتخصصي داخل الوحدات البيطرية الحكومية، التي تقدم خدماتها لنحو 75 إلى 80% من الثروة الحيوانية في مصر، خاصة المملوكة لصغار المربين. وأضاف أن نقص الكوادر البيطرية انعكس على مستوى الرعاية والإشراف البيطري في العديد من المناطق.

ذلك الأثر عاشه محمد محمود، أحد مربي الماشية بمركز المراغة، حين كان يرعى مواشيه الشهر الماضي في الحقول الزراعية، فوجئ بثعبان ينفث سمه في تجاهها، ما أسفر عن إصابة معزتين وجدي صغير بحالة تسمم.

يقول محمد إنه توجه على الفور إلى الوحدة البيطرية بعزبة بني هلال للحصول على المصل أو العلاج اللازم، لكنه وجدها مغلقة، ما اضطره إلى البحث عن طبيب بيطري يقيم بالقرب من القرية. وتمكن الطبيب من إسعاف المعزتين، إلا أن الجدي الصغير لم يصمد طويلًا، إذ وصل إليه السم سريعًا وفارق الحياة بسبب تأخر تلقي العلاج.

وهنا يحذر الدكتور عفيفي من أن استمرار هذا الوضع يهدد الثروة الحيوانية، نتيجة عدم تلقي الحيوانات المريضة الأدوية البيطرية السليمة والأمصال، وعدم الالتزام بالجرعات أو فترات سحب الدواء من جسم الحيوان، بما قد ينعكس على سلامة اللحوم والألبان والبيض.

وتدعم هذه المخاوف دراسة منشورة في مجلة "Frontiers"، والتي أظهرت أن نحو 40% من الأطباء البيطريين يفكرون في ترك المهنة بسبب ضغوط العمل وصعوبة تحقيق التوازن بين الحياة المهنية والشخصية، فيما أفاد 65% منهم بأنهم يعانون باستمرار من أعباء عمل مرتفعة.

وتعزز هذه الرؤية نتائج تقرير حالة صحة الحيوان العالمي الصادر عن المنظمة العالمية لصحة الحيوان "WOAH"، والذي أظهر أن 18% من الدول الأعضاء أبلغت عن تراجع في قدرات الأطباء البيطريين، فيما سجلت 22% انخفاضًا في قدرات الكوادر البيطرية المساعدة، وهو ما اعتبرته المنظمة تحديًا يؤثر في كفاءة الخدمات البيطرية على المستوى العالمي.

بينما يؤكد الدكتور محمد عفيفي، ضرورة تعيين أعداد كافية من الأطباء البيطريين داخل الوحدات والمجازر، موضحًا أن الاحتياج الفعلي لا يقل عن 15 ألف طبيب بيطري، بمتوسط خمسة أطباء لكل وحدة بيطرية، لتغطية مجالات الرعاية والوقاية والدواجن والتناسليات والإرشاد البيطري.

خسرت سناء ماعزها التي كانت تعيل بها أسرتها، وفقد مصطفى مواشي جمع ثمنها من عمله في الحقول، بينما لم ينجُ الجدي الصغير الذي يملكه محمد من لدغة ثعبان بسبب تأخر وصول العلاج. ومع استمرار نقص الأطباء والأدوية والأمصال، تبقى هذه الوقائع مرشحة للتكرار.