"العام الماضي كنت أستأجر قيراط الأرض الزراعية بحوالي 900 جنيه، لكن هذا العام الملاك رفعوا السعر إلى 1600 جنيه بسبب ارتفاع سعر التبن"، يصف عبد الستار محمود، 58 عامًا، مستأجر أربعة قراريط مزروعة قمح في مركز المراغة، التحولات التي شهدها سوق التبن في محافظة سوهاج خلال الفترة من 2024 إلى 2026.
يزرع عبد الستار القمح كي يستخرج منه التبن ويبيعه إلى مربي الماشية الذين يعتمدون عليه كعلف رئيسي: "ارتفاع أسعار التبن انعكس علينا كمزارعين إذ أدت إلى ارتفاع سعر تأجير الأرض".
ارتفاع سعر التبن يرفع إيجارات الأراضي
يعاني مزارعون ومربو ماشية في محافظة سوهاج من الارتفاع المتواصل في أسعار التبن خلال 2024 - 2025، في ظل زيادة الاعتماد عليه كبديل للأعلاف التي شهدت هي الأخرى زيادات كبيرة في الأسعار. إلا أن ارتفاع سعر التبن نفسه قلص من جدوى هذا البديل، وأدى إلى زيادة الأعباء المالية على المزارعين والمربين، ودفع بعضهم إلى تقليص نشاطه الزراعي أو الحيواني.
يشير عبد الستار إلى أن تكلفة إنتاج محصول القمح في أبريل 2026 بلغت نحو 9220 جنيهًا، شملت الأسمدة والمبيدات والعمالة الزراعية ومياه الري، بينما بلغ إيجار الأرض 6500 جنيه، لتصل التكلفة الإجمالية إلى 15720 جنيهًا.
وفي المقابل، بلغ العائد نحو ثلاثة أردبًا من القمح بسعر 3000 جنيه للأردب بإجمالي 9000 جنيه، إضافة إلى ثلاثة أحمال تبن بسعر 2000 جنيه للحمل بإجمالي 6000 جنيه، ليصل إجمالي العائد إلى 15000 جنيه، أي بخسارة تقدر بنحو 720 جنيهًا.
يُعد التبن أحد أهم مكونات تغذية الحيوانات المجترة، وينتج من بقايا محاصيل الحبوب مثل القمح والشعير بعد فصل الحبوب وتجفيف السيقان والأوراق.
ويؤكد عيد فرغلي، 62 عامًا، مالك أربعة قراريط قمح بقرية نجع الماسخ، أن ارتفاع أسعار التبن كان أحد الأسباب الرئيسية وراء زيادة إيجارات الأراضي الزراعية لهذا العام: "لما حمل التبن اللي هو 260 كيلو جرامًا يبقى بـ2000 جنيه، طبيعي إيجار القيراط يزيد".
ويضيف أن إيجار القيراط ارتفع من نحو 1200 جنيه خلال عام 2025 إلى نحو 1600 جنيه خلال عام 2026، مشيرًا إلى أن بعض المستأجرين بدأوا بالفعل في ترك الزراعة بسبب ارتفاع التكاليف وعدم قدرتهم على تحمل الإيجارات الجديدة.
- بلغت القيمة الاقتصادية لمحصول القمح خلال موسم 2023/2024 نحو 19.4 مليار جنيه، منها 13.8 مليار جنيه قيمة الحبوب و5.5 مليار جنيه قيمة التبن. بينما القيمة الاقتصادية لمحصول القمح في محافظة سوهاج بلغت نحو 865.4 مليون جنيه بما يمثل حوالي 6.3% من إجمالي القيمة الاقتصادية للقمح في مصر.
تقليص القطيع.. ارتفاع سعر العلف والتبن
يرجع الدكتور جمال سلومة، رئيس قسم الإنتاج الحيواني السابق بكلية الزراعة - جامعة سوهاج، ارتفاع أسعار التبن إلى تزايد الاعتماد عليه خلال السنوات الأخيرة، لا سيما مع نهاية عام 2025، في ظل الارتفاع المتواصل لأسعار الأعلاف التي كانت الغذاء الأساسي للماشية.

ويوضح لـ"أهل سوهاج" أن الزيادات المتتالية في أسعار الأعلاف دفعت المربين للاعتماد بشكل أكبر على التبن كبديل أقل تكلفة، ما زاد الطلب عليه، بعدما كان يُستخدم سابقًا بنسب محدودة ضمن العليقة الغذائية إلى جانب الأعلاف المركزة.
بلغ سعر طن علف الماشية نحو 14 ألف جنيه في عام 2024، ثم ارتفع إلى 15 ألف جنيه بنهاية عام 2025، قبل أن يقفز بزيادة قدرها 5 آلاف جنيه في أبريل 2026 ليصل إلى 20 ألف جنيه للطن. وبذلك تكون أعلاف الماشية ارتفعت بنحو 42.9% خلال الفترة من 2024 إلى 2026.
- بحسب مقال علمي نشرته شركة "آي بريدج كابيتال" العالمية المتخصصة في مجال الاستشارات الزراعية، فإن التبن أحد أهم الأعلاف المستخدمة في تغذية الحيوانات العاشبة، خاصة تلك التي تمتلك جهازًا هضميًا مهيأً لاستهلاك الألياف.
لذا كان محمد خلف، 45 عامًا، مربي ماشية في نجع الماسخ، يتمسك باستخدام التبن في علف ماشيته، إلا أنه الآن يقف أمام حظيرته التي كانت تضم 16 رأس ماشية عام 2024، ولم يتبق منها سوى 5 رؤوس فقط بحلول عام 2026 إذ اضطر إلى ذبح الباقي نتيجة ارتفاع أسعار التبن.
يقول محمد إن الزيادات المتتالية في أسعار التبن وضعت المربين أمام أعباء مالية متصاعدة: "في 2024 كان حمل التبن بـ500 جنيه، ودلوقتي في 2026 وصل لـ2000 جنيه، وبند التغذية شهريًا لـ16 رأس ماشية كان يصل إلى 60 ألف جنيه في 2024 بينما حاليًا يصل إلى 144 ألف جنيه لنفس عدد الماشية، أي بزيادة بنسبة 140% بما يعادل 84 ألف جنيه شهريًا".
تعكس بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء تراجعًا في أعداد رؤوس الماشية بمحافظة سوهاج خلال السنوات الماضية، مع وجود تفاوتات واضحة بين عام وآخر. بلغ إجمالي عدد رؤوس الماشية في المحافظة نحو 1640992 رأسًا عام 2016، قبل أن ينخفض إلى 1399511 رأسًا عام 2017، ثم يرتفع مجددًا إلى 1471089 رأسًا عام 2018.
إلا أن البيانات تُظهر تحولًا كبيرًا بداية من عام 2019، إذ سجلت المحافظة 504929 رأس ماشية، مقارنة بالأعداد المسجلة خلال السنوات السابقة، ثم تراجع العدد إلى 478271 رأسًا عام 2020، قبل أن يعاود الارتفاع إلى 501687 رأسًا عام 2021، ويواصل الصعود إلى 547880 رأس ماشية عام 2022.
حلول اضطرارية.. عزوف عن الزراعة
يوفر التبن الألياف اللازمة لتحسين عملية الهضم وتنظيم وظائف المعدة لدى الماشية، وفق الدكتور جمال سلومة، مبينًا أن التغذية تمثل البند الأكبر في تكلفة تربية الماشية، حيث تستحوذ على نحو 70% من إجمالي تكاليف الإنتاج، الأمر الذي يجعل أي ارتفاع في أسعار التبن يؤثر على جدوى النشاط الحيواني.
فيما يؤكد عزت الشريف، مدير جمعية الشيخ شبل الزراعية، أن جمعيته شهدت ارتفاعًا متتاليًا في أسعار التبن، إذ ارتفع من نحو 500 جنيه في عام 2024 إلى 1200 جنيه في عام 2025، ثم إلى نحو 2000 جنيه خلال موسم 2026.
ويشير لـ"أهل سوهاج" إلى أن استمرار ارتفاع أسعار التبن انعكس على قرارات المزارعين المتعاملين مع الجمعية، حيث بدأ بعضهم في تقليص المساحات المزروعة أو ذبح ماشيته، محذرًا من استمرار هذا الوضع ما قد يؤدي إلى مزيد من الضغوط على النشاط الزراعي والحيواني.
ذلك ما حدث مع صالح علي، 40 عامًا، مربي ماشية في قرية العرب بالمراغة، والذي تأثر بارتفاع أسعار التبن منذ نهاية عام 2025، بعد أن كان يمتلك 7 رؤوس من الأبقار.
يشير إلى أن إحدى الأبقار نفقت، بينما اضطر إلى بيع 5 أخريات لعدم قدرته على إطعامهم، ولم يتبق سوى رأسٍ واحدة تعتمد عليها الأسرة في إنتاج الحليب ومشتقاته كمصدر دخل أساسي: "حاولت في البداية تقليل كميات التبن المستخدمة لكن مع استمرار الارتفاع لم يكن أمامي سوى بيع الماشية ذاتها".
- ويُنتج التبن محليًا باعتباره ناتجًا ثانويًا لمحاصيل الحبوب على رأسها القمح، ولا يعتمد إنتاجه في مصر على الاستيراد. ويعطي فدان القمح في المتوسط نحو 6 أحمال من التبن، بواقع 250 كيلوجرامًا للحمل الواحد، فيما بلغت المساحة المزروعة بالقمح خلال الموسم الحالي نحو 3.76 مليون فدان.
مزارعون في دائرة مفرغة.. بيع الماشية اضطرارًا
يساعد مصطفى عبد اللاه، 19 عامًا، من مركز المراغة، أسرته في تربية الماشية إلى جانب عمله في الزراعة، ويؤكد أن تربية الماشية لم تعد كما كانت في السابق بسبب الارتفاع المستمر في تكاليف التبن: "زمان أغلب البيوت عندها مواشي، دلوقتي ناس كتير باعت لأنها مش قادرة توفر الأكل".
ويشير إلى أنه استأجر قطعة أرض زراعية خلال عام 2025، حين كان متوسط إيجار القيراط يتراوح بين 1000 و1200 جنيه، لكنه فوجئ في عام 2026 بارتفاع الإيجار إلى 1600 جنيه للقيراط.
ويضيف: "لما سألت صاحب الأرض قالي إن تكاليف الإنتاج زادت، وحمل التبن بقى بـ2000 جنيه بعد ما كان 1200 جنيه السنة اللي فاتت".
وتعكس رواية مصطفى الارتفاعات المتتالية التي شهدتها أسعار التبن خلال السنوات الأخيرة، وفقًا لما يقوله أحمد عبد الرحيم، تاجر تبن بمركز المراغة، والذي يوضح أن حمل التبن كان يُباع في عام 2020 بأسعار تراوحت بين 400 و500 جنيه، قبل أن يرتفع في عام 2021 إلى ما بين 600 و800 جنيه، ثم إلى ما بين 900 و1100 جنيه خلال عام 2022.
ويتابع عبد الرحيم أن الأسعار واصلت صعودها خلال السنوات التالية، ليتراوح سعر الحمل بين 1200 و1400 جنيه في عام 2023، ثم بين 1500 و1700 جنيه في عام 2024، فيما بلغ متوسط السعر نحو 1800 جنيه خلال عام 2025، قبل أن يصل في موسم 2026 إلى نحو 2000 جنيه للحمل في بعض المناطق، ما ضاعف الأعباء على المربين والمزارعين على حد سواء.
ويحذر الدكتور جمال سلومة من أن استمرار ارتفاع أسعار التبن والأعلاف قد يدفع مزيدًا من المربين إلى تقليص أعداد الماشية أو الخروج من النشاط بشكل كامل، مشيرًا إلى أن تداعيات الأزمة لا تقتصر على المربين وحدهم، بل تمتد إلى المستهلكين أيضًا من خلال احتمالات ارتفاع أسعار اللحوم والألبان حال استمرار زيادة تكاليف التغذية.
- وفق بيانات البنك الدولي، بلغ معدل تضخم أسعار الغذاء في مصر 33% خلال عام 2023، و28.3% في عام 2024، قبل أن يتراجع إلى 12.51% في عام 2025، ثم إلى 5.2% خلال عام 2026.
وللتخفيف من حدة الأزمة، يقترح سلومة التوسع في استخدام بعض المخلفات الزراعية كبدائل للتبن، مثل أعواد الذرة الجافة وقش الأرز بعد تجهيزها للاستخدام العلفي، بما يسهم في خفض تكلفة التغذية على المربين.
حاولت معدة التقرير التواصل مع علاء فاروق، وزير الزراعة واستصلاح الأراضي، للحصول على رد بشأن ما يطرحه المزارعون ومربو الماشية حول ارتفاع أسعار التبن وتزايد تكاليف الإنتاج الزراعي، إلا أنه لم يتسنَّ الحصول على رد حتى موعد نشر التقرير.
يظل المزارعون ومربو الثروة الحيوانية في سوهاج أمام تكاليف متصاعدة تضغط على مصادر رزقهم، ومع استمرار ارتفاع أسعار التبن تتزايد المخاوف من تراجع النشاط الزراعي والحيواني بالمحافظة.