"على ورق".. غياب ماكينات الصرف يستنزف معاشات أهالي نجع الماسخ

تصوير: حبيبة حجازي - مكتب بريد نجع الماسخ بسوهاج

كتب/ت حبيبة حجازي
2026-05-19 11:32:00

كانت لطيفة علي، 44 عامًا، تسبق ضوء الفجر في نجع الماسخ بمحافظة سوهاج، محاولة حجز مكان متقدم في طابور طويل لا ينتهي. مع منتصف كل شهر، تبدأ رحلتها المعتادة، تستقل "توك توك" بتكلفة 20 جنيهًا، متجهة إلى قرية الشيخ شبل التي تبعد نحو 3 كيلومترات عن منزلها، دون أن تضمن إن كانت ستنجح في صرف معاشها البالغ 650 جنيهًا أم ستعود من دونه.

تقول: "أذهب باكرًا في السادسة صباحًا، وأحيانًا لا أصرف معاشي إلا في الحادية عشرة مساءً، الزحام خانق والمكان يمتلئ بالمستفيدين من كل قرى المراغة مضطرون لصرف مستحقاتهم من ذلك المنفذ".

مكتب بريد نجع الماسخ

معاش تلتهمه المواصلات

تعكس تجربة لطيفة واقعًا يوميًا يعيشه سكان نجع الماسخ التابع لمركز المراغة، في ظل غياب كامل للخدمات المصرفية والبريدية داخل النجع، حيث لا توجد ماكينة صرف آلي واحدة أو مكتب بريد. 

ويحوّل هذا النقص عملية الحصول على مستحقات "تكافل وكرامة" أو المعاشات التأمينية إلى رحلة شاقة تستنزف دخول الأسر الفقيرة قبل جهدها. 

- ينص الدستور المصري لعام 2014 والمعدل في 2019 على عدد من الحقوق المرتبطة بتوفير الخدمات الأساسية، وحق المواطن في الصحة والخدمات الأساسية.

بينما يبعد أقرب منفذ للصرف في قرية الشيخ شبل نحو 3 كيلومترات، يضطر آخرون للتوجه إلى مركز المراغة على مسافة تصل إلى 10 كيلومترات بحثًا عن ماكينة تعمل، ليصطدموا في كثير من الأحيان بعبارة مكتوبة: "الماكينة استنفدت المال".

تقع قرية نجع الماسخ ضمن نطاق مركز المراغة، الذي تبلغ مساحته نحو 926.2 كيلومترًا مربعًا، بما يعادل حوالي 220,523.80 فدانًا، وهو ما يمثل نحو 8.40% من إجمالي مساحة محافظة سوهاج. ويصل عدد سكان المركز إلى نحو 388,474 نسمة، بنسبة تُقدَّر بـ 8.34% من إجمالي سكان المحافظة.

عدالة مكانية غائبة

وبحسب جولة ميدانية قامت بها "معدة التقرير" في نجع الماسخ للبحث عن مكتب بريد يمكن تلك الفئات من استلام مستحقاتهم المالية كل شهر، تبين وجود أرض فضاء تحمل لافتة معلقة منذ نحو أربع سنوات مدون عليها "مكتب بريد نجع الماسخ"، ولكن لم يُشيد أي مبنى ولم تُقدَّم أي خدمات حتى الآن. 

وبسؤال عدد من الأهالي القاطنين بجوار الموقع، أوضحوا أن اللافتة موجودة منذ سنوات دون أن تبدأ أي أعمال إنشائية. وأضافوا أن من يحتاج إلى سحب الأموال يضطر إلى التوجه إلى مركز المراغة.

يأتي ذلك رغم إعلان البنك المركزي المصري ارتفاع معدل الشمول المالي إلى 76.3% بنهاية يونيو 2025، ووصول عدد المستفيدين إلى نحو 53.8 مليون مواطن يستخدمون حسابات مالية نشطة، تشمل البنوك والبريد ومحافظ الهاتف المحمول، وذلك في إطار التوسع في الخدمات المالية والرقمية داخل مصر.

تفسر ذلك سهر الدماطي، الخبيرة المصرفية ونائبة رئيس بنك مصر في القاهرة سابقًا، بأن انتشار الحسابات البنكية أدى إلى زيادة الطلب على خدمات السحب والتحويل، ما يجعل وجود فروع وماكينات الصراف الآلي أمرًا ضروريًا، خاصة في عدد من المحافظات من بينها محافظة سوهاج، مع دعم ذلك ببطاقات ذكية مثل كارت "ميزة" والخدمات الرقمية.

وتوضح لـ"أهل سوهاج" أن الشمول المالي توسع ليشمل المراكز والقرى الكبرى، بدعم من البنك الزراعي المصري ومكاتب البريد التي توفر حسابات بعوائد جيدة، إلا أن هذا التوسع يظل مرتبطًا بحجم الطلب الفعلي على الخدمات.

رحلة إجبارية

تروي رانيا كامل، 31 عامًا، إحدى المستفيدات من برنامج تكافل وكرامة ومن سكان النجع، معاناتها في الحصول على مستحقاتها النقدية البالغة 450 جنيهًا، قائلة إنها بعد أن تصل إلى مركز المراغة بتكلفة تبلغ 7 جنيهات، تضطر للتنقل بين أربع ماكينات صرف آلي داخل، إلا أنها كانت تفاجأ في كل مرة بنفاد الأموال بعد انتظار طويل لساعات.

مكتب بريد نجع الماسخ

- تضم سوهاج 52,758 أسرة ضمن برنامج "تكافل"، و74,250 في برنامج "كرامة"، بينما أصحاب المعاشات يصل عددهم إلى 138,024 أسرة. أما التأمين الاجتماعي فيضم 20,069 ملفًا، وتُدار هذه الخدمات عبر 51 وحدة محلية تغطي 292 قرية، ويعمل بها 4,189 موظفًا.

توضح رانيا أنها خلال الشهر الجاري عادت إلى منزلها في السادسة مساءً مرهقة، دون أن تتمكن من سحب أي مبلغ، مشيرة إلى أن رحلة البحث عن السيولة تحولت إلى عبء يومي يستنزف الوقت والجهد.

- نصّ قانون الإدارة المحلية رقم 43 لسنة 1979 وتعديلاته على أن الوحدات المحلية هي المسؤولة عن توفير الخدمات العامة للمواطنين، وتحسين مستوى المرافق داخل القرى.

وفي ضوء هذا القانون، يؤكد الدكتور حمدي عرفة، أستاذ الإدارة الحكومية والمحلية، أن غياب هذه الخدمات يعكس خللًا في العدالة المكانية، موضحًا لـ"أهل سوهاج" أن المعايير التخطيطية لإنشاء نقاط الخدمة ترتبط عادة بالكثافة السكانية، إلا أن المناطق الريفية في صعيد مصر تحتاج إلى قدر أكبر من المرونة وتوزيع فعلي يراعي احتياجات كبار السن وذوي الهمم.

لذا تقول رانيا إن غياب ماكينات الصراف القريبة يضاعف معاناة الأهالي، خاصة كبار السن والنساء: "نضطر إلى قطع مسافات طويلة على أمل الحصول على مستحقاتنا، وتتكرر هذه الأزمة مع كل موعد صرف، ونضطر في النهاية إلى تأجيل احتياجات أساسية أو الاستدانة لحين توفر الأموال".

يترك ذلك أثرًا نفسيًا على رانيا وغيرها، وفق الدكتورة جيهان النمرسي، أستاذ علم النفس بجامعة الأزهر، التي تؤكد أن غياب ماكينة الصرف ليس مجرد نقص خدمي، بل شرخ في جودة الحياة اليومية: "بُعد الخدمة يربط في ذهن المواطن البسيط بين التكنولوجيا الحديثة وبين المشقة والتعرض للاستغلال من الوسطاء، مما يعمق الشعور بالتهميش ويكرس الفجوة بين الريف والحضر". 

وتضيف لـ"أهل سوهاج" أن هذا الوضع يفتح الباب لصور من الاستغلال، حيث يضطر البعض للجوء إلى وسطاء لصرف مبالغهم مقابل عمولة، هربًا من مشقة السفر والانتظار في الطوابير.

يتسق ذلك مع دراسة نشرت في مجلة كلية الآداب جامعة قنا العام 2022، بعنوان "مؤشرات الفقر بمحافظة سوهاج بالتطبيق على قرية بناويط بمركز المراغة"، خلّصت إلى أن غياب الخدمات الحيوية مثل مكاتب البريد وماكينات الصرف الآلي يُعد من أبرز معوقات التنمية داخل القرية. 

وأوضحت أن هذا الغياب يُجبر الأهالي، خاصة كبار السن والمستفيدين من معاشات "تكافل وكرامة"، على الانتقال إلى المدينة وتحمل تكاليف ومشقة المواصلات من أجل صرف مستحقاتهم، وهو ما يحول القرية إلى بيئة طاردة للسكان، ويعزز لديهم الشعور بالتهميش والعزلة عن الخدمات الأساسية التي تقدمها الدولة.

حلول مطروحة

ويعاني السيد محمد، 68 عامًا، في نجع الماسخ، معاناة مضاعفة بسبب ضيق التنفس وكبر سنه، إذ يضطر إلى تأجيل صرف معاشه البالغ 3000 جنيه لأسبوع كامل لتجنب الزحام القاتل أمام مكتب بريد المراغة.

فيما يشير الدكتور حمدي عرفة إلى أن استمرار هذا الوضع يفرض أعباءً اقتصادية واجتماعية تزيد من حدة الفقر، موضحًا أن الحل يكمن في توطين الخدمات ودمج ماكينات الصرف داخل الوحدات الحكومية القائمة بالقرى.

- بحسب وزارة التخطيط، وصل مؤشر "جودة الحياة" إلى نحو 30%، وهو المؤشر الذي يقيس مستوى التقدم في إتاحة الخدمات الأساسية داخل القرى المستهدفة.

فيما ترى سهير الدماطي ضرورة إنشاء فروع جديدة لتوسيع نطاق التغطية، إلا أن ذلك يصطدم بمدى توافر البنية التحتية والأمن والكوادر المتخصصة، لافتة إلى أن البريد يلعب دورًا محوريًا في سد الفجوة داخل المناطق النائية وتعزيز وصول الخدمات المالية إليها.

حاولنا التواصل مع الدكتورة  منال عوض وزيرة التنمية المحلية، وخالد قاسم المتحدث باسم الوزارة، للحصول على تعليق بشأن غياب ماكينات الصراف الآلي في بعض القرى لكن لم نتلق ردًا.

تستمر رحلات رانيا ولطيفة وغيرهم كل شهر بحثًا عن مستحقاتهم المالية خارج النجع، في رحلة شاقة خلف أبسط حق مالي يتحول إلى عبء من الانتظار والطوابير والتنقل بين قرى ومراكز مجاورة.