من الشارع إلى صحراء قلابشو.. أين انتهت رحلة الكلاب بعد جمعها؟

تصوير: سلمى الهواري

كتب/ت سلمي الهواري
2026-11-03 11:55:58

على أرض رملية تتناثر فوقها الحجارة والمخلفات، تتحرك مئات الكلاب داخل مساحة مفتوحة محاطة بسور في صحراء قلابشو بطريق بلقاس. لا تظهر في المكان مظلات واضحة تحتمي بها الحيوانات من الشمس، ولا نقاط مخصصة بوضوح لمياه الشرب، بينما ترقد كلاب نافقة وسط المساحة التي تتحرك فيها الكلاب الحية. 

هكذا بدا المشهد خلال جولة ميدانية أجرتها "قلم المنصورة" لرصد أوضاع الكلاب التي جُمعت من شوارع الدقهلية ونُقلت إليه.

تعاني الكلاب التي نقلتها محافظة الدقهلية إلى شلتر صحراء قلابشو بطريق بلقاس من ظروف إيواء تفتقر إلى مقومات أساسية، في ظل غياب مظلات واضحة تحميها من الشمس، وعدم ظهور نقاط مخصصة بوضوح لمياه الشرب، إلى جانب وجود كلاب نافقة وسط المساحة التي تتحرك فيها الحيوانات الحية.

من شلتر جمصة إلى موقع قلابشو

في ديسمبر 2025، أعلنت محافظة الدقهلية إنشاء شلتر مخصص لإيواء وإطعام الكلاب الحرة على مساحة 2100 متر مربع في جمصة، ضمن خطة للتعامل مع ظاهرة الكلاب الضالة، تشمل جمعها ونقلها وتوفير الرعاية البيطرية لها، من فحص وعلاج وتطعيم وتعقيم.

وفي مايو الماضي، أشار محافظ الدقهلية، خلال اجتماع المجلس التنفيذي للمحافظة، إلى تكثيف الحملات للتعامل مع الكلاب الضالة في الشوارع، من خلال توفير شلتر في قلابشو، إلى جانب سيارات مجهزة لتجميع الكلاب ونقلها إليه.

تقول هبة علي، 37 عامًا، مسؤولة متابعة أوضاع الحيوان في مؤسسة "حماية الحيوان بالدقهلية" -غير حكومية-، إن فريقًا تابعًا للمؤسسة جمع الكلاب ونقلها، قبل أن يصل إلى الموقع الموجود في صحراء قلابشو.

وتوضح لـ"قلم المنصورة": "عندما تابعنا حركة مديرية الطب البيطري في جمع الكلاب ونقلها، انتقلنا إلى الموقع المُعلن عنه، لكننا لم نجد الكلاب في المكان، ثم تحركنا حتى وصلنا إلى موقع آخر في صحراء قلابشو بطريق بلقاس، وتبين لنا أنه المكان الذي نُقلت إليه الكلاب، وليس الشلتر الذي سبق الإعلان عنه في جمصة".

وتضيف هبة أن الفريق رصد خلال زيارته أكثر من خمسة كلاب نافقة، إلى جانب الأعداد الكبيرة من الكلاب الموجودة داخل الموقع، دون أن يرصد ما يدل على وجود متابعة منتظمة لها: "حاولنا إخراج عدد من الكلاب من الموقع، إلا أن شخصين كانا موجودين عند البوابة منعا ذلك، وأبلغونا بأن خروج الكلاب غير مسموح به بناءً على تعليمات من المحافظة".

خلال الجولة التي نفذتها "قلم المنصورة"، بدت المساحة الداخلية أرضًا مفتوحة يغلب عليها الرمل والتراب والحجارة، مع وجود مخلفات متفرقة. ورصدت المحررة مئات الكلاب، ظهرت على عدد منها علامات تدهور في الحالة الصحية، دون أن تبدو تقسيمات واضحة تفصل الحيوانات المريضة أو المصابة عن بقية الكلاب.

كما رصدت كلابًا نافقة ملقاة على الأرض، دون ظهور مساحة منفصلة مخصصة للتعامل مع الحيوانات النافقة، ولم تظهر مظلات أو منشآت واضحة توفر الظل للكلاب، أو أوعية ونقاط محددة لمياه الشرب. 

أما الطعام، فظهر بعضه ملقى على الأرض بين الحيوانات، دون أن يتسنى تحديد مصدره أو معرفة ما إذا كان يُقدم وفق نظام منتظم.

كذلك، لم ترصد الجولة تجهيزات واضحة مخصصة للتنظيف وجمع المخلفات وفضلات الحيوانات داخل المساحة.

وخلال الزيارة، كان بالموقع شخصان من مديرية الطب البيطري، حاولنا الحصول منهما على معلومات بشأن أعداد الكلاب الموجودة، وآلية تشغيل الموقع، ونظام تقديم الطعام والمياه، والرعاية البيطرية، وكيفية التعامل مع الحيوانات المريضة والنافقة، لكنهما رفضا الإدلاء بتصريحات، وقالا إن ذلك يأتي بناءً على تعليمات من المحافظة.

هل تتوافر مقومات الإيواء والرعاية؟

لفهم مدى ملاءمة الظروف التي رصدتها الجولة، عرضنا صور موقع الشلتر على مؤسسة "أنقذوا كلاب الشوارع" المعنية بإنقاذ الحيوانات ورعايتها في المنصورة، وقالت ناريمان مصطفى، 39 عامًا، ممثلة المؤسسة، إن المؤسسة تتابع أوضاع موقع قلابشو منذ نحو شهر، وترى أن التجهيزات الظاهرة فيه لا تتناسب مع احتياجات الأعداد الموجودة داخله.

وتوضح: "من خلال الصور والمعلومات التي تم عرضها علينا، إلى جانب متابعتنا المستمرة لشلتر قلابشو على مدار الشهر الماضي، المكان في وضعه الحالي غير مجهز على نحو مناسب لمكان مخصص لإيواء أعداد كبيرة من الكلاب، خصوصًا أن وجود هذا العدد في مساحة مفتوحة بمنتصف الصحراء يتطلب تجهيزات واضحة تضمن حصول الحيوانات على احتياجاتها الأساسية بصورة مستمرة".

وتضع ناريمان توفير المياه النظيفة والظل والطعام في مقدمة هذه الاحتياجات، مشيرة إلى أن الكلاب الموجودة في مساحات مفتوحة تحتاج إلى مياه متاحة باستمرار، إلى جانب أماكن تحتمي فيها من الشمس ونظام منتظم لتقديم الطعام وتنظيف الموقع.

وتقول: "المشكلة ليست فقط في وجود الكلاب داخل مكان بعيد عن السكان، ولكن في طبيعة المكان نفسه وما إذا كان يوفر لها الحد الأدنى من ظروف الحياة والرعاية. ومع تزايد أعداد الكلاب داخل الموقع، يصبح الوضع أكثر صعوبة إذا لم تتوافر متابعة يومية ومياه وطعام ومناطق للظل والرعاية البيطرية".

وبحسب ناريمان، تطالب المؤسسة، إلى جانب جهات أخرى معنية بحماية الحيوانات، مديرية الطب البيطري بالدقهلية بإعادة النظر في نقل الكلاب إلى الموقع، وتوفير مكان تتوافر فيه مقومات الإيواء والرعاية.

الكلاب المريضة والنافقة.. أين الرعاية والعزل؟

لا تقتصر المخاوف التي أثارتها الجولة على غياب التجهيزات الظاهرة، بل تمتد إلى كيفية التعامل مع الحالات المرضية والكلاب النافقة داخل الموقع.

وتقول ناريمان إن وجود أعداد كبيرة من الكلاب في مساحة واحدة، دون تقسيمات واضحة، يصعّب متابعة الحالات المختلفة، خاصة الحيوانات المريضة أو المصابة التي تحتاج إلى الفحص والعلاج في أماكن منفصلة قدر الإمكان.

وتضيف: "وجود كلاب نافقة داخل المساحة التي تتحرك فيها الكلاب الحية يستدعي تدخلًا سريعًا، ولا يمكن تحديد سبب النفوق من المشاهدة وحدها، وإنما يحتاج الأمر إلى فحص بيطري وتوثيق للحالة، لكن في جميع الأحوال يجب إزالة الحيوان النافق من بين الحيوانات الحية والتعامل معه بطريقة آمنة".

طبيب يكشف شروط إيواء الكلاب ورعايتها

واصلت مديرية الطب البيطري بالدقهلية تنفيذ حملات ميدانية خلال الفترة من يوليو إلى سبتمبر الماضيين، استهدفت التعامل مع الكلاب الحرة في عدد من المراكز والمدن، من خلال تحصينها وتعقيمها وجمعها ونقلها بعيدًا عن الكتل السكنية، وفق ما أعلنته الجهات التنفيذية بالمحافظة.

من جانبه، يوضح حسن مصطفى، طبيب بيطري، أن إيواء أعداد كبيرة من الكلاب في مساحة مفتوحة يتطلب توافر أماكن للظل، ومياه نظيفة متاحة باستمرار، وطعام مناسب، ونظافة جيدة، إلى جانب تقسيم المساحات بما يسمح بمتابعة الحيوانات.

ويشير إلى أن وجود أعداد كبيرة في مكان واحد دون تقسيم واضح قد يصعّب اكتشاف الحالات المرضية ومتابعتها، وقد يزيد من احتمالات انتقال العدوى والتعرض للإصابات، مؤكدًا أهمية فحص الكلاب عند وصولها وعزل الحالات المريضة أو المصابة التي تحتاج إلى رعاية خاصة.

وبشأن الكلاب النافقة التي ظهرت داخل الموقع، يقول إن سبب النفوق لا يمكن تحديده من الصور أو المشاهدة وحدهما، وإنما يحتاج إلى فحص بيطري، وقد تستدعي بعض الحالات إجراء تشريح أو تحاليل للوصول إلى السبب.

كما يشدد على ضرورة توثيق الأدوية والحقن التي تُعطى للكلاب، بما يشمل المادة المستخدمة والجرعة وسبب إعطائها وتاريخ استخدامها، مع الاحتفاظ بسجل يوضح الإجراءات التي خضع لها كل كلب منذ جمعه ونقله حتى علاجه أو تطعيمه أو تعقيمه وتحديد مصيره.