"تاكسول" يغيب عن "الفردوس".. مرضى أورام يدفعون ثمن العلاج من جيوبهم

تصميم| محمد صلاح

كتب/ت سلمي الهواري
2026-10-01 11:56:00

بعد 3 سنوات من حصول والدته المصابة بسرطان الثدي على دوائها "تاكسول" شهريًا من التأمين الصحي، وجد محمد علي، 38 عامًا، عامل باليومية، نفسه أمام خيار لم يكن معتادًا عليه؛ شراء العلاج على نفقته الخاصة، بعدما ذهب قبل نحو شهرين إلى عيادة الفردوس للتأمين الصحي بالمجزر لصرف دواء الأورام ليكتشف عدم توافره بالعيادة.

يقول محمد إنه فوجئ عند ذهابه لصرف العلاج بأن الكمية المتاحة من الدواء قليلة وغير كافية: "سألت عن إمكانية الحصول عليه من عيادة تأمين صحي أخرى يتوافر بها، إلا أنني أُبلغت بأن صرف العلاج من عيادة أخرى لا يكون بصورة مباشرة، وأن الأمر يحتاج إلى استخراج بطاقة تحويل صرف من العيادة التابعة لها والدتي إلى عيادة أخرى".

اختفاء "تاكسول"

يعاني مرضى الأورام المترددين على عيادة الفردوس التابعة للهيئة العامة للتأمين الصحي في المنصورة من نقص متكرر في أدوية الأورام، وعلى رأسها عقار "تاكسول" منذ ثلاثة أشهر ماضية، ما يدفع بعضهم إلى تكرار التردد على العيادة بحثًا عن الجرعات، بينما يضطر آخرون إلى شرائها على نفقتهم الخاصة رغم ارتفاع تكلفتها مقارنة بدخولهم الشهرية.

لكن حتى مع إجراء التحويل، لم يكن هناك ما يضمن لـ"محمد" توافر الدواء في العيادة الجديدة، وفقًا لما أُبلغ به، ليجد نفسه أمام أزمة مزدوجة: عدم توافر العلاج في عيادته الأصلية، وعدم ضمان الحصول عليه في حال نقله إلى عيادة أخرى.

وأضاف محمد: "وبدلًا من المخاطرة بتأخر علاج والدتي، بدأت في شراء الدواء بالاتفاق مع إحدى الصيدليات لتوفيره من مالي الخاص، وذلك لمدة 3 أشهر متتالية حتى الآن".

وبالتزامن مع اضطرار محمد إلى شراء الدواء على نفقته الخاصة، أجرت "قلم المنصورة" جولة ميدانية على 4 صيدليات في مدينتي المنصورة وطلخا، لرصد سعر عقار "تاكسول" خارج منظومة التأمين الصحي.

وبلغ سعر العبوة بتركيز 100 مجم/16.7 مل نحو 1400 جنيه، مع اختلاف السعر بحسب التركيز والشكل الدوائي للمستحضر. ويمثل هذا المبلغ عبئًا إضافيًا على المرضى الذين يضطرون إلى شراء العلاج من أموالهم الخاصة، خاصة مع تكرار الجرعات وفقًا للبروتوكول العلاجي لكل حالة، إذ تستخدم والدة محمد عبوتين شهريًا بما يعادل 2800 جنيه لعقار واحد.

يوضح الدكتور كامل سليم، استشاري علاج الأورام، أن تحديد العلاج يكون وفقًا لنوع الورم وحالة المريض واحتياجاته العلاجية، ضمن نظام جرعات وكورس علاجي محدد، ما يجعل انتظام المريض على الدواء والالتزام بمواعيد الجرعات جزءًا أساسيًا من الخطة العلاجية: "قد يحتاج المريض عبوة في الشهر أو عبوتين حسب حالته وبروتوكول علاجه".

نقص الدواء يهدد انتظام العلاج

- بلغ عدد المستفيدين من التأمين الصحي بمحافظة الدقهلية نحو 3.128 مليون مستفيد خلال العام المالي 2022/2023، بما يمثل 44.4% من إجمالي سكان الدقهلية، بينما يتردد على عيادة الفردوس 340 مريض أورام لصرف الأدوية بصورة شهرية.

ومن بينهم فايز مصطفى، 65 عامًا، الذي يتلقى علاج أورام الرئة من عيادة الفردوس منذ عام ونصف، وخلال الأشهر الستة التي سبقت تفاقم الأزمة كان الدواء يتوافر بكميات محدودة: "منذ نحو 3 أشهر أصبح العجز في الدواء أكبر، ما دفعني إلى البحث عن وسيلة أخرى للحصول عليه، لتجنب أي مضاعفات قد تؤثر في حالتي".

ومع استمرار صعوبة الحصول على الدواء من خلال التأمين الصحي، اضطر فايز إلى شرائه على نفقته الخاصة، من معاش شهري يبلغ نحو 3500 جنيه، بينما تتراوح تكلفة العبوة التي يحتاج إليها بين 1600 و1700 جنيه.

- ارتفعت أسعار نحو 400 صنف دوائي، بنسب تراوحت بين 20 و30% للأدوية المستخدمة في علاج الأمراض المزمنة، وبين 30 و50% للأدوية غير الأساسية والموسمية خلال عام 2025 وفق تصريحات سابقة للدكتور علي عوف رئيس شعبة الأدوية باتحاد الغرف التجارية.

ولا ينكر الدكتور محمد رياض، مدير فرع الهيئة العامة للتأمين الصحي بالدقهلية، عدم توافر أدوية الأورام في عيادة الفردوس منذ شهور، إذ يوضح أن الفرع يتولى حصر وطلب احتياجات المستشفيات والعيادات التابعة له في مختلف أنحاء المحافظة من الأدوية، من خلال الموقع الإلكتروني المخصص لذلك من جانب الهيئة العامة للتأمين الصحي، والتي تحدد احتياجات الفروع وفقًا لأعداد المرضى والأدوية المقرر توفيرها لهم.

ويضيف رياض لـ"قلم المنصورة" أن الفرع يتسلم الأدوية من خلال هيئة الدواء المصرية، ضمن منظومة التأمين الصحي التابعة لوزارة الصحة والسكان، موضحًا أن الفرع أبلغ الجهات المختصة باحتياجاته من الأدوية منذ عدة أشهر، إلا أن بعض الأصناف لم تصل حتى الآن، في ظل ما ورد إلى الفرع من معلومات بشأن وجود نقص فيها بشكل عام داخل السوق المصرية.

ولا يقتصر أثر هذا النقص على صعوبة حصول المريض على الدواء، وإنما قد يصل إلى عدم قدرته على الاستمرار في العلاج من الأساس، كما حدث مع مديحة النجار، 62 عامًا، التي لم تحصل على دوائها من التأمين الصحي منذ نحو ثلاثة أشهر، بعد توقف توافره في العيادة التي تتلقى العلاج بها.

- لا يوجد إحصاء رسمي معلن عن عدد مصابي الأورام في مصر ولكن تُسجل سنويًا 150,578 حالة إصابة بالسرطان، وفق ما أُعلن خلال معرض ومؤتمر "صحة أفريقيا" 2025، وتعد أكثر أنواع الأورام انتشارًا: "الكبد والرئة والمثانة والثدي والغدد الليمفاوية"

وتقول مديحة: "معاشي الشهري 3250 جنيهًا بالكاد يكفي احتياجاتي الأساسية؛ إذ أدفع 2500 جنيه إيجارًا لمسكني، بينما أنفق المبلغ المتبقي على الطعام والشراب، ما جعل شراء الدواء من مالي الخاص أمرًا بالغ الصعوبة".

ومع تعذر تحمل تكلفة العلاج، حاولت مديحة البحث عن صيدليات تتيح لها الحصول على الدواء بالتقسيط، إلا أن الوصول إلى هذا الخيار لم يكن سهلًا: "لا أضمن قدرتي على سداد قيمة العلاج على أقساط، كما أن نقل ملفي لعيادة أخرى يحتاج إلى إجراءات كثيرة".

- وبحسب المؤتمر سجلت مصر 95,275 حالة وفاة بالسرطان خلال عام 2025 بينهم 51,692 رجلًا و43,583 امرأة، بينما يُقدّر عدد الناجين من السرطان خلال السنوات الخمس الأخيرة بـ360,823 شخصًا.

ويكشف رياض أن أزمة نقص الأدوية لا تتوقف عند عقار تاكسول، وإنما امتدت إلى عدد من أدوية الأورام الأخرى، التي أصبحت كمياتها محدودة للغاية، ووصل بعضها إلى حد عدم التوافر، إلى جانب وجود نقص في بعض أدوية الأمراض المزمنة، من بينها أدوية الضغط والأنسولين.

أعباء مالية ونفسية

- بحسب مقال علمي منشور في المجلة الأوروبية عام 2025، قد يؤدي نقص أدوية السرطان إلى تأخير العلاج وتدهور نتائجه، إلى جانب زيادة الضغط النفسي والعبء الاقتصادي على المرضى، خاصة عند اللجوء إلى بدائل أو شراء الأدوية من مصادر أخرى. 

وبحسب مدير فرع التأمين الصحي بالدقهلية، فإن بعض أصناف الأدوية التي ترد إلى الفرع أصبحت كمياتها أقل من نصف احتياجاته الشهرية، ما يصعّب عملية توزيعها على المستشفيات والعيادات التابعة له في أنحاء المحافظة، ومع انخفاض الكميات الواردة مقارنة بالاحتياجات، تتراجع حصة كل عيادة من الدواء، فلا تكفي الكميات المتاحة لتغطية احتياجات جميع المرضى بصورة منتظمة.

لكن مديحة أصيبت بمضاعفات مثل الإرهاق، والغثيان، وآلام العضلات والمفاصل، واضطرابات في الأعصاب الطرفية، وهي أعراض أثرت في قدرتها على ممارسة حياتها بصورة طبيعية: "أبحث الآن عن شخص يساعدني في توفير تكلفة العلاج شهريًا من أصحاب الأعمال الخيرية".

يؤكد ذلك الدكتور إيهاب مصطفى، صيدلي بعيادة الفردوس، أن كميات أدوية الأورام التي تصل إلى العيادة تكون محدودة، ولا تكفي في بعض الأحيان سوى لتغطية احتياجات المرضى المستحقين للجرعات المتاحة، موضحًا أن بعض البدائل الدوائية المتوفرة قد تكون مرتبطة بمضاعفات أو آثار جانبية أكثر صعوبة، وفقًا للحالة الصحية لكل مريض.

ويوضح أن تأخر حصول المريض على الجرعة قد يؤثر في حالته، لذلك ينصح الأهالي، في حال عدم توافر الجرعة المطلوبة وكان بإمكانهم شراؤها على نفقتهم الخاصة، بالبحث عن أماكن أخرى تتوافر فيها.

بينما يقول الدكتور محمد رياض، مدير فرع الهيئة العامة للتأمين الصحي بالدقهلية، إنه في حال وصول كميات جديدة من الأدوية، فمن المتوقع صرف الجرعات للمرضى بأثر رجعي، مؤكدًا أن فرع الهيئة سبق أن أبلغ الجهات المختصة باحتياجاته من الأدوية، إلا أن الكميات المطلوبة لم تصل كاملة حتى الآن، في ظل استمرار النقص في بعض المستحضرات داخل السوق المصرية، بحسب المعلومات الواردة إلى الفرع.

فيما تؤكد إيرين سعيد، عضو لجنة الصحة بمجلس النواب، لـ"قلم المنصورة" أن اضطرار المرضى، خاصة محدودي الدخل وأصحاب المعاشات، إلى شراء الأدوية على نفقتهم رغم خضوعهم للتأمين الصحي يمثل عبئًا إضافيًا، مؤكدة ضرورة توفير بدائل واضحة، سواء بإتاحة الدواء في جهة أخرى أو توفير بديل مناسب طبيًا، بما يضمن استمرار العلاج دون تأخير أو تحميل المريض أعباء مالية.

وبين نقص الإمدادات وارتفاع تكلفة العلاج، يجد مرضى الأورام أنفسهم أمام انتظار الجرعة أو تدبير ثمنها من جيوبهم، رغم اعتمادهم على التأمين الصحي، وتبقى الأزمة قائمة ما لم تصل الكميات المطلوبة من الأدوية.