"لمن يدفع أكثر".. زيادات مصروفات الجامعات الأهلية ترهق الطلاب وأسرهم

تصوير: سلمى الهواري - مصروفات الجامعات الأهلية

كتب/ت سلمي الهواري
2025-09-11 18:27:23

"في بداية التحاقي بالجامعة كنا نظن أن التحدي الأكبر هو التفوق الدراسي، لكننا اكتشفنا أن التحدي الحقيقي هو القدرة على الدفع".. بهذه الكلمات بدأ محمد لطفي، طالب بكلية الصيدلة في جامعة المنصورة الأهلية، حديثه عن معاناة مستمرة منذ ثلاثة أعوام.

يوضح: "دفعت 80 ألف جنيه مصروفات دراسية  في عامي الأول 2022، إضافة إلى 8 آلاف جنيه كرسوم إدارية تُحصَّل عند الالتحاق لتطوير الخدمات، لكننا لم نلحظ أي تغيير، فما زلنا متكدسين في مبنيين فقط".

مصروفات الجامعات الأهلية

تقدم الطالب مع عدد من زملائه شكوى رسمية لإدارة الحسابات بالجامعة، مطالبين بإلغاء المصروفات الإدارية التي تُفرض عليهم كل فصل دراسي، لكن الشكوى لم تلقَ استجابة، بل تعرضوا -على حد وصفه- للطرد من مكتب الحسابات بسبب تكرار استفساراتهم.

ويضيف: "هذه الرسوم الإضافية أثقلت كاهلنا وأرهقت أسرنا، خاصة أننا مغتربون، كنا نعتمد على جمعيات سنوية لتسديد الرسوم، لكنني فوجئت عند الدفع بزيادة قدرها 8 آلاف جنيه، ما اضطر والدي للاقتراض لتغطية المبلغ، وأثر الأمر على نفسيتي ومذاكرتي بسبب انشغالي الدائم بالأعباء المالية".

رسوم إدارية غامضة

محمد ليس الشكوى الوحيدة، إذ تفرض جامعات أهلية في مصر رسومًا متزايدة وأكثر من مرة في العام على أولياء الأمور تحت مسمى "المصروفات الإدارية"، تُستحدث بشكل مفاجئ خلال العام الدراسي وتتصاعد عامًا بعد آخر دون ضوابط واضحة، مما يضع أعباء مالية على الأسر في غياب رقابة التعليم العالي.

- الجامعات الأهلية هي جامعات منبثقة من الحكومية، وتتيح للطلاب الالتحاق في كليات بمجموع درجات يقل ما بين 8% و10% عن الحد الأدنى المطلوب في الجامعات الحكومية، لكنها، على عكس الجامعات الحكومية المجانية، تُلزم الطلاب بمصروفات دراسية مرتفعة.

توسّعت الدولة منذ عام 2020 في إنشاء الجامعات الأهلية، حتى ارتفع عددها إلى 20 جامعة على مستوى الجمهورية، 4 جامعات أهلية دولية، و4 جامعات مستقلة، و12 جامعة منبثقة من الحكومية، منهم جامعة المنصورة الأهلية التي تُعد أول جامعة أهلية تنشأ في مصر عام 2020.

الجامعات الأهلية

- حتى أكتوبر 2024، وصل عدد الطلاب بالجامعات الحكومية إلى 441 ألفًا و288 طالب، والخاصة 98 ألف طالب، مقابل 53 ألف طالب بالجامعات الأهلية، وفق وزير التعليم العالي الدكتور أيمن عاشور خلال اجتماع له.

عدد الطلاب بالجامعات الأهلية

- تنص المادة 19 من الدستور المصري على أن: "التعليم المجاني حق لكل مواطن في مراحله المختلفة، وتلتزم الدولة بمجانية التعليم في مراحل التعليم المختلفة، بينما تضم محافظة الدقهلية جامعتين أهليتين هما: "المنصورة الأهلية، المنصورة الجديدة".

في يوليو الماضي أعلنت جامعة المنصورة الأهلية عبر صفحتها الرسمية عن مصروفات العام الدراسي المقبل والذي تضمن "مصروفات إدارية - مصروفات المعامل - مصروفات وزارية" تتراوح بين 10 - 30 ألف جنيه على حسب الكلية، دون إيضاح ماهية تلك المصروفات وقانونيتها.

مصروفات الجامعات الأهلية

ترى سلمى حسين، الباحثة في العدالة الاقتصادية، أن التعليم العالي في مصر وعلى رأسه الجامعات الأهلية يعتمد بشكل أساسي على مصروفات الطلاب، وهو ما أدى إلى تقلص فرص إتاحته أمام الفئات غير القادرة ماليًا. 

وتحذر في حديثها لـ"قلم المنصورة": "ما تفعله الجامعات الأهلية من زيادات في المصروفات يعمّق الفجوة بين الطلاب، حيث يتمتع أبناء الطبقات الميسورة بفرص تعليم أفضل، بينما يواجه أبناء الطبقات الفقيرة نقصًا حادًا في الفرص المتاحة".

ما يعمق الأزمة هو دفع أولياء الأمور لتلك الرسوم الإدارية أكثر من مرة في العام، حيث يشير أشرف السيد، طالب بكلية الهندسة جامعة المنصورة، إلى نقطة أخرى وهي أن العقود بين الجامعة والطلاب لا تتضمن رسومًا إدارية أو معامل سوى لمرة واحدة فقط، لكنه في بداية العام الدراسي سدد رسومًا إدارية بلغت 4 آلاف جنيه مرتين، بعد مصروفات بلغت 70 ألف جنيه، وهو ما دفع والده للنظر إلى أن الجمع بين الزيادة السنوية والمصروفات الإضافية يشكّل عبئًا ماليًا إضافيًا على الطالب والأسرة.

يوضح: "لا نعرف ما هي الرسوم الإدارية التي ندفعها مرتين في العام، حتى مع نهاية هذا الفصل الدراسي ما زال الأمر يثير الكثير من علامات الاستفهام".

مصروفات الجامعات الأهلية

أسر بين القروض والانسحاب

بحسب الموقع الرسمي لـ"جامعة المنصورة الجديدة الأهلية" فإن المصروفات الدراسية تدفع سنويًا، بينما الرسوم التي تسميها الجامعة على موقعها بـ"الأخرى" تدفع مرة واحدة بما فيها الرسوم الإدارية تصل إجماليتها إلى 21 ألف جنيه.

يحذر محمد عبدالعزيز، الخبير التعليمي، في حديثه لـ"قلم المنصورة" من غياب الشفافية في تطبيق مصروفات الجامعات الأهلية دون إيضاح ماهيتها من البداية، أو تقديم مبررات واضحة.

ذلك ما حدث مع عبد المنعم خليل، ولي أمر أحد الطلاب في جامعة المنصورة الأهلية -تحفظ على ذكر اسمه-، يؤكد أنه اضطر إلى دفع الرسوم الإدارية التي فُرضت بشكل مفاجئ خلال العام الدراسي الماضي حتى لا يضيع على نجله العام، غير أن الجامعة طلبت توقيع عقود جديدة تتضمن بندًا يسمح بفرض زيادات إضافية تحت مسمى "تطويرات للمعامل والأجهزة"، وهو ما رفضه عازمًا نقل ابنه.

يقول: "العقود الجامعية تنص على زيادة سنوية محددة للمصروفات الأساسية، إلى جانب رسوم إدارية تُدفع مرة واحدة فقط عند الالتحاق، ولكن فوجئت هذا العام بمطالبة الجامعة بتسديد الرسوم الإدارية مرة ثانية وأن هناك عقود جديدة".

ويؤكد الخبير التعليمي أن ذلك يعرض مستقبل الطلاب الأكاديمي للخطر: "قد يدفع الأمر الطلاب لعدم استكمال الدراسة بشكل مفاجئ أثناء العام الدراسي، فلا بد من خضوع مصروفات الجامعات الأهلية للرقابة الحكومية بالتنسيق مع الجامعات الحكومية".

لكن إيلاريا سمير، عضو مجلس النواب للتعليم العالي، توضح لـ"قلم المنصورة" أن الجامعات الخاصة تخضع لأحكام القانون رقم 12 لسنة 2009 بشأن الجامعات الخاصة، والمعدل بالقانون رقم 143 لسنة 2019، بالإضافة إلى اللائحة التنفيذية الصادرة بقرار رئيس مجلس الوزراء رقم 302 لسنة 2010. 

وتشترط هذه القوانين ألا تُنشأ أي جامعة خاصة إلا بقرار جمهوري بعد موافقة مجلس الجامعات الخاصة والأهلية، على أن تكون للجامعة شخصية اعتبارية مستقلة، مع الالتزام بالحد الأدنى لمتطلبات الجودة التعليمية.

وتشرح: "أما الجامعات الأهلية، وهي مؤسسات تعليمية غير هادفة للربح، ينظمها نفس القانون ضمن فصل خاص بها، وتخضع لإشراف وزارة التعليم العالي ومجلس الجامعات الأهلية، مع التأكيد على أن أي فائض مالي يُعاد استثماره في تطوير الجامعة بدلاً من توزيعه كأرباح"، وتهدف هذه التشريعات، بحسب سمير، إلى ضمان جودة التعليم، وتحقيق العدالة، وتنظيم العلاقة بين الدولة والمؤسسات التعليمية غير الحكومية.

لكن أسماء ممدوح، طالبة بكلية الصيدلة في جامعة المنصورة، ترى أن العدالة التعليمية غائبة بسبب غموض ملف المصروفات الإدارية، موضحة أنها التحقت بالجامعة عام 2021، ومنذ ذلك الحين تتزايد المصروفات الإدارية سنويًا حتى وصلت إلى 12 ألف جنيه، دون أن يعرف الطلاب ما إذا كانت هذه الزيادات مؤقتة أم مستمرة. 

وتؤكد أن غياب الوضوح بشأن المصروفات يصعّب على الطلاب وأسرهم وضع خطط مالية مناسبة، مشيرة إلى أن كثيرًا من الطلاب يصلون إلى السنة الرابعة أو الخامسة ليتفاجأوا بزيادات تثقل كاهلهم بأعباء مالية غير متوقعة.

لذا تحذر سلمى حسين، الباحثة في العدالة الاقتصادية، من أن استمرار السياسات الحالية قد يفاقم الأزمة ويؤدي إلى حرمان أعداد متزايدة من الطلاب من استكمال دراستهم، الأمر الذي سيترك انعكاسات خطيرة على مستقبلهم وعلى المجتمع ككل: "هناك ضرورة لإيجاد توازن حقيقي بين الإنفاق الحكومي على التعليم وتوفير آليات لدعم الطلاب غير القادرين ماديًا".

بينما إيلاريا تشدد على ضرورة أن تكون الرسوم الجامعية كلها واضحة منذ بداية التحاق الطالب بالجامعة، مع تحديد سقف لزيادتها بشكل عادل، بحيث لا يُفاجأ الطلاب في مراحل متقدمة من دراستهم بزيادات غير متوقعة قد تحول دون استكمال تعليمهم. 

شهدت المصروفات الدراسية بجامعة المنصورة الجديدة ارتفاعًا ملحوظًا، حيث ارتفعت مصروفات كلية الطب البشري من 130 ألف جنيه خلال عام 2024 - 2025 إلى 145 ألف جنيه خلال عام 2025 - 2026 بزيادة قدرها 15 ألف جنيه تعادل نحو 11.5%.

وتركزت النسب الأعلى للزيادات في كليات التمريض (12.5%)، الطب البشري (11.5%)، والصيدلة (11.1%)، بينما تراوحت الزيادات في بقية الكليات بين 4% و10%.

الجامعات الأهلية

غياب العدالة التعليمية

وأمام غياب الوضوح بشأن الزيادات المفاجئة في المصروفات، سعت محررة "قلم المنصورة" للحصول على رد من إدارة الجامعة والجهات المعنية بالتعليم العالي، لعرض استفسارات الطلاب ومخاوفهم.

في البداية ادعت معدة التقرير أنها طالبة في جامعة المنصورة الأهلية تسعى للاستفسار عن المصروفات، فجاء رد إدارة الجامعة بأن الرسوم الإدارية تُفرض وفقًا للوائح المجلس الأعلى للجامعات الأهلية، بهدف تطوير الخدمات المقدمة للطلاب دون الإفصاح عن قيمتها ونسب الزيادة.. 

وأوضح أحد مسؤولي قسم التقديم والحسابات أن الزيادات الأخيرة تعود إلى ارتفاع تكاليف التشغيل والصيانة، مؤكدًا أن الجامعة تعمل تدريجيًا على تحسين البنية التحتية وتحديث المعامل وتجهيز القاعات الدراسية بشكل أفضل خلال الفترة المقبلة.

فيما تشير إيلاريا سمير، عضو لجنة التعليم، إلى ضرورة وضع حد أقصى للزيادات السنوية لضمان استقرار الطلاب وأسرهم، مع ضرورة وجود دراسة تفصيلية تبين أوجه إنفاق هذه المصروفات وكيفية انعكاسها على العملية التعليمية.

وتشدد على أهمية تقديم الطلاب شكاوى رسمية إلى المجلس الأعلى للجامعات لمراجعة المصروفات، موضحة أن الطلاب بحاجة إلى معرفة مسبقة بأسباب أي زيادة قبل تطبيقها، وليس بعد صدور القرار، حتى لو كانت زيادة تخص تطوير الجامعة.

حاولنا التواصل مع الدكتور أيمن عاشور وزير التعليم العالي عبر الهاتف والواتساب، لتوضيح دور الوزارة في الرقابة على تلك المصروفات غير الواضحة إلا أنه لم يرد حتى نشر التقرير.

أخرج خليل ابنه من الجامعة قبل أن يوقّع على عقد جديد يتيح للجامعة فرض زيادات إضافية في أي وقت، وهو ما اعتبره "فخًا" يُكبّل أولياء الأمور دون ضمانات، ويستمر والد محمد لطفي في الاقتراض لدفع مصروفات ابنه المتزايدة، بينما تبرر إدارة الجامعات الأهلية فرض الرسوم الإدارية بارتفاع تكاليف التشغيل والصيانة.