طبيب بشروط.. كيف صنع التكليف فجوة بين الخريجين واحتياجات الصحة؟

تصميم| محمد صلاح

كتب/ت سلمي الهواري
2026-10-15 13:18:22

"لم أتخيل أنني بعد ست سنوات من الدراسة وأرصفة العيادات، سأجلس في المنزل منتظرًا قرارًا قد لا يأتي، حتى أحصل على الوظيفة الحكومية التي يستحقها كل طبيب"، بهذه الكلمات يصف عمرو عاصم، 24 عامًا، خريج كلية طب الأسنان بجامعة الدلتا، حالة القلق التي يعيشها، بعدما كان يتوقع الالتحاق بحركة التكليف هذا العام، باعتبارها بداية لمسيرته المهنية، قبل أن يفاجأ بالجدل الدائر حول تطبيق نظام التكليف وفق الاحتياج، وتأخر إعلان الحركة، ليجد نفسه، مثل آلاف الخريجين، أمام مستقبل غير واضح.

تخرج عمرو عاصم من كلية طب الأسنان بجامعة الدلتا عام 2025، وأنهى سنة الامتياز معتقدًا أن الخطوة التالية ستكون استلام جهة تكليفه، إلا أن إعلان وزارة الصحة قصر التكليف على الاحتياجات الفعلية أربك مساره.

يُعد التكليف أول محطة مهنية لخريجي كليات الطب البشري وطب الأسنان والصيدلة والعلاج الطبيعي والتمريض، بعد الانتهاء من سنة الامتياز والحصول على ترخيص مزاولة المهنة، إذ يجري توزيعهم على المستشفيات والوحدات الصحية وفق احتياجات وزارة الصحة.

يقول عمرو: "من أول يوم دخلت الكلية كنت أعرف إن بعد الامتياز هييجي التكليف، وعليه رتبت كل خطواتي، سواء الدراسات العليا أو الشغل أو حتى ظروفي المادية، لكن فجأة بقينا مش عارفين هنشتغل فين؟".

من حق مكتسب إلى انتظار مجهول

تعاني دفعات من خريجي كليات الطب خلال عامي 2023 و2024 من تأخر التكليف حتى الآن، في ظل عدم وضوح آلياته ومعايير تطبيقه، مما أثر على مسارهم المهني.

وزاد الأمر تعقيدًا تأكيد اللجنة العليا للتكليف، في أغسطس الماضي، أن منظومة تكليف خريجي كليات ومعاهد القطاع الصحي تستهدف تحقيق التوازن بين احتياجات المنظومة الصحية وطموحات الخريجين، من خلال توزيع الكوادر وفق الاحتياج الفعلي.

وتعد أزمة تكليف أطباء أسنان 2023 دليلًا على ذلك إذ لم يصدر لأطباء تلك الدفعة قرار التكليف حتى الآن وفق الدعوى رقم 4529 لسنة 72 قضائية، التي أظهرت أن عدد أطباء دفعة 2022 الذين لم يتسلموا التكليف بلغ 87 طبيبًا، من بينهم 11 طبيبًا جرى فصلهم، وهناك 8152 درجة تكليف شاغرة بوزارة الصحة، مقابل احتياج فعلي للوزارة يبلغ 3840 طبيبًا فقط.

وترى الدكتورة منار حاتم، خبيرة شؤون التعليم الطبي، أن نظام التكليف أُنشئ في الأساس لضمان توزيع الأطباء على المستشفيات والوحدات الصحية وفقًا لاحتياجات الدولة، إلى جانب توفير فترة تدريب عملي للطبيب حديث التخرج قبل بدء مسيرته المهنية بصورة كاملة، إلا أن التوسع الكبير في إنشاء كليات الطب خلال السنوات الأخيرة أدى إلى زيادة أعداد الخريجين بصورة تجاوزت قدرة الجهات الصحية والمستشفيات الجامعية على استيعابهم.

وتقول لـ"قلم المنصورة": "في كل عام يتخرج آلاف الأطباء من الجامعات الحكومية والخاصة والأهلية، بينما لا يواكب ذلك توسع مماثل في أعداد المستشفيات الجامعية أو فرص التدريب أو الاحتياجات الفعلية لوزارة الصحة، وهو ما ينعكس مباشرة على فرص التكليف وجودة التدريب في الوقت نفسه".

54% فقط حصلوا على التكليف

ويؤكد أسامة عبد العزيز، 24 عامًا، خريج كلية طب الأسنان بجامعة الدلتا، أن قرار التكليف عام 2023 شمل نحو 54% فقط من خريجي دفعته، بينما لم يحصل باقي الخريجين على التكليف حتى الآن: "منذ دخولنا الكلية، كان التكليف جزءًا من المسار الطبيعي بعد التخرج، لذلك فوجئنا بأن نصف الدفعة تقريبًا لم يشملها القرار، لم يكن أحد يتوقع أن ينتهي بنا الأمر إلى انتظار فرصة عمل بعد سنوات طويلة من الدراسة".

ويضيف أسامة أن شكاوى عدد من زملائه بشأن تأخر نتائج التكليف قوبلت بتأكيد أن المشكلة عامة وليست مقتصرة على جامعتهم، وأن الأزمة ترجع، بحسب ما أُبلغوا به، إلى التوسع الكبير في إنشاء كليات طب الأسنان خلال السنوات الأخيرة، دون توسع مماثل في فرص التكليف.

ولا تنكر الدكتورة هالة النجار، وكيل نقابة أطباء الأسنان بالدقهلية، أن أزمة التكليف هذا العام جاءت نتيجة اتساع الفجوة بين أعداد خريجي كليات طب الأسنان والاحتياجات الفعلية لوزارة الصحة، موضحة أن آلاف الخريجين على مستوى الجمهورية لم تشملهم حركة التكليف.

وتقول لـ"قلم المنصورة": "الأعداد أصبحت كبيرة جدًا، بينما تعتمد حركة التكليف على الاحتياج الفعلي، إلى جانب المفاضلة بين الخريجين وفقًا للمعدلات التراكمية، لذلك لم يحالف الحظ عددًا كبيرًا منهم، وكان أصحاب التقديرات الأقل هم الأكثر تأثرًا بعدم إدراجهم ضمن حركة التكليف".

ولا تقتصر أزمة التكليف على خريجي كليات طب الأسنان، بل تمتد أيضًا إلى خريجي كليات الطب البشري، في ظل استمرار تأخر إعلان حركات التكليف وربطها بالاحتياجات الفعلية للمنظومة الصحية. بينما يواجه أطباء الأسنان احتمالية عدم شمول جميع الخريجين بحركة التكليف، ينتظر خريجو الطب البشري قرارات التكليف لأكثر من عامين.

ورغم ذلك ترى النجار أنه لا ينبغي للطبيب الذي لم يحصل على التكليف أن يتوقف عن ممارسة المهنة أو تطوير نفسه، بل عليه الإسراع في استخراج تصريح مزاولة المهنة والقيد بالنقابة، والاتجاه إلى التدريب العملي داخل العيادات والمراكز الطبية لاكتساب الخبرة اللازمة.

بينما في الواقع، يفكر محمد خالد، 26 عامًا، خريج كلية الطب البشري بجامعة المنصورة دفعة 2023، في السفر إلى الخارج للعمل طبيبًا، بعدما أنهى سنة الامتياز منذ نحو عامين، لكنه لا يزال ينتظر صدور قرار تكليفه: "في كل مرة أتلقى الرد ذاته، بأن التخصصات امتلأت سريعًا أو أنه لا توجد أماكن شاغرة في الوقت الحالي".

ويضيف: "تأخر التكليف عطّل كثيرًا من خططي المهنية، يتحمل الخريجون وحدهم تبعات هذا الخلل، رغم أنهم التحقوا بالكليات وفق الأعداد التي أقرتها الدولة، وكان من حقهم أن يجدوا مسارًا مهنيًا واضحًا بعد التخرج".

أرقام تكشف الفجوة

ويأتي تأخر التكليف في ظل زيادة مستمرة في أعداد خريجي كليات الطب البشري، إذ يبلغ عدد كليات الطب في مصر حاليًا نحو 46 كلية موزعة بين الجامعات الحكومية والخاصة والأهلية، ويلتحق بها سنويًا قرابة 12 ألف طالب وطالبة، مع وجود خطة لزيادة أعداد المقبولين إلى 15 ألفًا سنويًا لسد العجز في أعداد الأطباء.

وفي هذا السياق، يرى الدكتور علي توفيق، نقيب الأطباء بالدقهلية، أن منظومة تكليف الأطباء البشريين واجهت خلال السنوات الأخيرة ضغوطًا متزايدة، نتيجة الارتفاع المستمر في أعداد الخريجين بالتزامن مع التوسع في إنشاء الجامعات الحكومية والخاصة والأهلية، دون زيادة موازية في أعداد المستشفيات الجامعية أو فرص التدريب والتأهيل.

ويقول توفيق لـ"قلم المنصورة": "تكليف الطبيب البشري ما زال حقًا قانونيًا تنظمه لائحة التكليف، لكن مع الزيادة الكبيرة في أعداد الخريجين أصبحت المنافسة على بعض التخصصات وجهات التكليف أكثر صعوبة، خاصة مع محدودية الاحتياجات التي تعلنها وزارة الصحة في كل حركة".

يعمل أحمد السيد، 25 عامًا، خريج كلية الطب البشري دفعة ديسمبر 2023، منذ تخرجه في صيدلية وأحيانًا كمساعد طبيب في عيادة خاصة لحين صدور التكليف أو استكمال إجراءات السفر إلى الخارج.

وتأتي شكاوى الخريجين في وقت تواجه فيه المنظومة الصحية تحديًا آخر يتمثل في هجرة أعداد كبيرة من الأطباء إلى الخارج. ففي عام 2022، بلغ عدد الأطباء المسجلين بالنقابة العامة نحو 380 ألف طبيب، من بينهم 125 ألفًا يعملون في القطاع الحكومي، بينما تشير بيانات النقابة لعام 2023 إلى عمل نحو 120 ألف طبيب مصري بالخارج.

وتنعكس هذه الهجرة على كثافة الأطباء داخل مصر؛ إذ تراجعت النسبة المحلية إلى نحو 8.6 طبيب لكل 10 آلاف مواطن، مقارنة بالمعدل الموصى به من منظمة الصحة العالمية والبالغ 23 طبيبًا لكل 10 آلاف مواطن، وهو ما يرتبط بزيادة الضغط على الأطباء العاملين وارتفاع ساعات العمل.

ويربط الدكتور علي توفيق، نقيب الأطباء بالدقهلية، بين أزمة التكليف والزيادة المستمرة في أعداد خريجي كليات الطب، موضحًا أن لائحة التكليف تضع ضوابط ومعايير للمفاضلة بينهم عند توزيعهم على التخصصات المختلفة، بما يمنح أصحاب التقديرات الأعلى فرصًا أكبر في الحصول على التخصصات الأكثر إقبالًا، بينما يضطر آخرون إلى الانتظار أو اختيار تخصصات أخرى وفقًا للاحتياجات المتاحة.

بينما تؤكد الدكتورة منار حاتم، خبيرة شؤون التعليم الطبي، أن الأزمة لا تبدأ عند مرحلة التكليف، وإنما تمتد إلى مرحلة القبول بكليات الطب، موضحة أن زيادة أعداد المقبولين يجب أن تكون جزءًا من خطة قومية تحدد احتياجات الدولة من الأطباء، مع مراعاة القدرة الاستيعابية الفعلية للمستشفيات على تدريبهم وتأهيلهم.

وتشير  الدكتورة هالة النجار، وكيل نقابة أطباء الأسنان بالدقهلية، إلى أن باب التظلمات لا يزال مفتوحًا أمام الخريجين غير المكلفين، بما يتيح لهم التقدم بطلبات لإعادة النظر في موقفهم، معربة عن أملها في أن تسهم هذه المرحلة في استيعاب أكبر عدد ممكن من الأطباء الذين لم تشملهم الحركة الأولى.

بينما يؤكد الطالب أحمد خريج كلية الطب: "ليس من المنطقي أن يتحمل الطالب وحده تبعات التفاوت في مستوى التقييم بين الجامعات، خاصةً أن جميع الخريجين التحقوا بكليات معتمدة من الدولة ودرسوا المناهج المقررة، وإذا كانت هناك فروق جوهرية في مستوى التقييم بين الجامعات، فمن الضروري وجود آلية تضمن تكافؤ الفرص بين الخريجين".

ويرى الدكتور علي توفيق، نقيب الأطباء بالدقهلية، أن استمرار زيادة أعداد المقبولين في كليات الطب دون التوسع بالتوازي في المستشفيات الجامعية وأماكن التدريب والتكليف سيؤدي إلى تكرار الأزمة مع كل دفعة جديدة، مشددًا على ضرورة ربط أعداد المقبولين بالاحتياجات الفعلية للدولة، مع توفير بنية تدريبية قادرة على استيعاب الخريجين.

وتحذر الدكتورة منار من أن استمرار الوضع الحالي قد يؤدي إلى اتساع الفجوة بين منظومة التعليم الطبي واحتياجات سوق العمل: "المطلوب ليس تقليل أعداد الأطباء، وإنما إعادة تنظيم المنظومة بالكامل، بحيث يتواكب التوسع في التعليم مع التوسع في التدريب والتكليف، بما يحفظ حق الطبيب ويضمن كفاءة الخدمة الصحية المقدمة للمواطنين".

تتسع الفجوة بين أعداد خريجي كليات الطب واحتياجات منظومة التكليف، مما قد يزيد من خيارات الهجرة لدى الأطباء بحثًا عن فرصة مهنية مستقرة، ويهدد بفقدان كوادر طبية جديدة تحتاجها المنظومة الصحية.