خلف الابتسامة ضغوط النوبيات.. باحثة ترصد النساء الأكثر هشاشة (حوار)

تصوير: أمنية حسن - الباحثة في كلية الخدمة الاجتماعية بجامعة أسوان زيزي صيام

كتب/ت أمنية حسن
2026-08-23 14:52:47

خلف الابتسامة التي تستقبل السائح في أسوان، تقف حكايات لا تظهر في الصور التذكارية، نساء نوبيات يقضين ساعات طويلة بين الأسواق والمزارات السياحية بحثًا عن مشترٍ لمنتجاتهن اليدوية، بينما تلاحقهن ضغوط المعيشة، وأعباء الأسرة، ومسؤولية إعالة الأبناء، في واقع لا يعرفه كثيرون.

هذا الواقع كان محور كتاب الباحثة في كلية الخدمة الاجتماعية بجامعة أسوان زيزي صيام، المأخوذ عن رسالتها للماجستير بعنوان "الضغوط الحياتية للمرأة النوبية العاملة بالحرف اليدوية"، والذي يرصد من خلال دراسة ميدانية الضغوط النفسية والاجتماعية والاقتصادية التي تواجهها الحرفيات النوبيات، وتأثيرها في حياتهن وأسرهن، إلى جانب تقديم توصيات لتحسين أوضاعهن.

المحررة أمنية حسن مع الباحثة في كلية الخدمة الاجتماعية بجامعة أسوان زيزي صيام

في هذا الحوار، تتحدث زيزي صيام عن الدوافع التي قادتها إلى اختيار هذا الموضوع بعد صدور الكتاب، وأبرز ما كشفته الدراسة، والنتائج التي فاجأتها، وكيف غيّر البحث نظرتها إلى المرأة النوبية.

  • في البداية ما الذي دفعك لاختيار الضغوط الحياتية التي تواجه المرأة النوبية موضوعًا للدراسة ثم كتابًا؟

في أثناء بحثي عن فكرة لرسالة الماجستير، وجدت أن معظم الرسائل العلمية متشابهة وتقليدية، ولم أجد رسالة واحدة تتناول المجتمع النوبي أو قضاياه الخاصة، ومن خلال ملاحظتي الميدانية ومعايشتي للقرى النوبية، مثل غرب سهيل وجزيرة هيسا، وهما من القرى النشطة في المجال السياحي، رصدت عددًا من المشكلات السلوكية لدى الأبناء، مثل التسرب من المدارس والانحراف. 

وبعد التعمق في الدراسة، اكتشفت أن السبب الجذري يتمثل في الغياب الطويل للأمهات العاملات في الحرف اليدوية، اللاتي يضطررن للبقاء خارج المنزل من الصباح الباكر حتى منتصف الليل لتوفير مصدر الرزق.

  • ما الفرق بين تقديمك للفكرة في رسالة أكاديمية وفي كتاب منشور؟ 

تُعد الرسالة الأكاديمية أكثر عمقًا وتفصيلًا، إذ تتضمن الجوانب الإحصائية، مثل المقاييس والأرقام وجداول الاستبيانات والأدوات البحثية المتخصصة. أما الكتاب، فقد جُرِّد من هذه الإحصاءات والجداول ليصبح أكثر سلاسة وسهولة في القراءة، كما قُسمت الدراسة النظرية إلى فصول، وبرزت فيه شخصية الباحث ورؤيته بصورة أوضح، بينما ظلت النتائج والمقترحات العنصر المشترك بين الرسالة والكتاب.

  • ما المصادر العلمية التي اعتمدتِ عليها؟

اعتمدت في إعداد الدراسة على المراجع النظرية في علم الاجتماع والخدمة الاجتماعية، إلى جانب كتب التراث النوبي القديمة التي أعدها باحثون أجانب، بهدف مقارنتها بالواقع الحالي.

  • ما السؤال الرئيسي الذي حاولتِ الإجابة عنه من خلال الكتاب؟ 

سعيت إلى تسليط الضوء على الواقع الحقيقي للمرأة النوبية، بعيدًا عن الصورة النمطية، وأن تكون هذه الدراسة نقطة انطلاق لباحثين آخرين أو لمؤسسات ترغب في تقديم دعم حقيقي ومستدام لهذه الفئة.

وانطلق الكتاب من سؤال رئيسي يتمحور حول طبيعة حياة المرأة النوبية العاملة في الحرف اليدوية، والضغوط والمشكلات التي تواجهها في هذا المجال، وكيفية إبراز دور المؤسسات الداعمة لها.

  • ما المقصود بالضغوط الشخصية في كتابك؟ وما أبرز الضغوط التي ذكرتها المرأة النوبية العاملة في الحرف اليدوية؟

يقصد بالضغوط الشخصية الحالة النفسية الداخلية للمرأة، فهي تظهر أمام السائحين بوجه مبتسم، بينما تحمل في داخلها أعباءً نفسية كبيرة نتيجة الانشغال المستمر بتدبير شؤون المنزل والديون.

وكان أكثر ما روته النساء هو شعورهن بالإرهاق من التنقل المستمر وراء السيارات والأتوبيسات السياحية لبيع منتجاتهن، كما تحدثن عن الضغوط المرتبطة بتحمل المسؤولية الكاملة عن الأسرة وسداد الديون، إلى جانب الضغوط الاقتصادية الناتجة عن ارتباط الدخل بالموسم السياحي الذي يزدهر خلال أشهر الشتاء.

كما أشارت المشاركات إلى الضغوط الأسرية الناتجة عن الغياب الطويل عن المنزل وصعوبة متابعة الأبناء، بما قد يعرضهم لمخاطر الانحراف.

  • كيف تمكنتِ من الوصول إلى السيدات وإجراء المقابلات معهن؟ وهل وجدتِ ترددًا في الحديث عن الضغوط؟

ساعدتني في البداية شبكة العلاقات التي تمتلكها والدتي وخالاتي، إذ سبق لهن العمل في الحرف اليدوية والمشاركة في المعارض، كما تواصلت مع مسؤولين في مراكز الحرفيين، وتحركت ميدانيًا إلى أماكن تجمع السيدات لبيع منتجاتهن، مثل ساحة محطة القطار، ومتحف النوبة، والقرى السياحية، ومنها غرب سهيل وجزيرة هيسا، ووجدت ترحيبًا كبيرًا من السيدات، وكانت لديهن رغبة واضحة في الحديث.

  • في رأيك كيف تطور عمل المرأة في الحرف اليدوية عبر السنوات؟

في الماضي، كان العمل في الحرف اليدوية نشاطًا منزليًا بسيطًا يعتمد على خامات مثل الخوص والورق، سواء لتزيين المنزل أو للبيع، بينما كان الرجال يتولون تسويق المنتجات وبيعها خلال الموسم السياحي.

أما اليوم، فقد أصبح هذا العمل مصدرًا أساسيًا للدخل، خاصة مع تراجع فرص العمل وغياب تنوعها في محافظة أسوان، ورغم أنه وفر مصدرًا للدخل، فإنه فرض على المرأة أعباءً إضافية، إذ قد تضطر إلى البقاء خارج المنزل حتى منتصف الليل، بما يحد من قدرتها على متابعة أبنائها.

  • كيف كشفت الدراسة عن فئات أكثر هشاشة من غيرها؟ وما أكثر موقف أثر فيك؟

نعم، كشفت الدراسة أن الأرامل والمطلقات والمعيلات هن الفئات الأكثر هشاشة، إذ يتحملن مسؤولية إعالة أنفسهن وأبنائهن، وأحيانًا أحفادهن، دون وجود أي مصدر دخل آخر، وهناك موقف لا أنساه بشأن ذلك كانت لسيدة مسنة تجلس تحت حرارة الشمس أمام متحف النوبة برفقة أحفادها الصغار، لأن ابنتها المطلقة كانت تعمل، بينما اضطرت هي أيضًا إلى العمل لإعالة الأسرة، رغم تقدمها في السن ومرض زوجها.

  • هل اختلف الواقع عما كنتِ تتوقعينه؟ وما أكثر نتيجة فاجأتك أثناء الدراسة؟

قبل بدء الدراسة، كان التصور السائد لدي أن السيدات يعشن حياة طبيعية؛ يذهبن إلى العمل ثم يعدن إلى منازلهن بما يكفي من المال لإعالة أسرهن. لكن الواقع كشف عن مشكلات أسرية عميقة، إذ تضطر بعض الأمهات إلى ترك نقود تحت الوسادة لأبنائهن والخروج للعمل منذ الصباح الباكر وحتى منتصف الليل، وهو ما يؤدي في بعض الحالات إلى ضياع الأبناء أو انخراطهم في مشكلات مثل تعاطي المخدرات نتيجة غياب الرقابة.

كما كشفت الدراسة أن بعض الرجال، بعد اعتيادهم على الأعمال السياحية الأقل مشقة، يجدون صعوبة في الانتقال إلى أعمال أكثر شقاءً خلال فترات الركود، فتتحول المرأة إلى المسؤول الرئيسي عن توفير المصروفات اليومية والوفاء بالالتزامات المالية، مثل الجمعيات والقروض.

  • ما الذي غيرته الدراسة في نظرتك إلى المرأة النوبية؟ وما أبرز الصور النمطية التي اكتشفتِ أنها غير صحيحة؟

قبل الدراسة، كنت أنظر إلى السيدات النوبيات باعتبارهن عاملات ومنتجات يوفرن دخلاً لأسرهن. لكن خلال عملي البحثي، اكتشفت حجم الهموم والمسؤوليات التي يحملنها، وأدركت أن وراء كل واحدة منهن قصة معقدة من الأعباء والمشكلات الأسرية التي لا تظهر للآخرين.

ومن أبرز الصور النمطية غير الصحيحة الاعتقاد بأن التعامل مع السيدات النوبيات صعب أو أنهن لا يقدمن معلومات للباحثين، على النقيض وجدت تعاونًا كبيرًا منهن.

  • ما أهم التوصيات التي خلص إليها الكتاب؟

أوصت الدراسة بإنشاء معارض دائمة للسيدات بدلاً من البيع العشوائي في الشوارع، بما يسهم في تحقيق الاستقرار النفسي والمادي لهن، مع إمكانية تطبيق هذه الفكرة في المناطق ذات الكثافة السياحية، كما أوصت بالتنسيق مع الشركات السياحية لإدراج زيارة مقار الحرفيات ضمن البرامج السياحية، وأكدت الدراسة أيضًا أهمية تعاون الجمعيات القروية لدعم الباحثين والعمل على تنفيذ توصياتهم على أرض الواقع.