كرة الجرس.. مكفوفات تحدّين العتمة في ملاعب غير مهيأة

صورة أرشيفية لكرة الجرس

كتب/ت أمنية حسن
2026-02-08 16:01:48

لم تكن كرة الجرس للمكفوفين بالنسبة لـ"روان حسن" 23 عامًا، ابنة مركز نصر النوبة مجرد رياضة تمارسها، بل مساحة تعرفت فيها على نفسها بشكل أعمق؛ مكانًا يساعدها على اختبار تركيزها وحواسها بعيدًا عن أي نظرة شفقة، ويمنحها إحساسًا بأن إمكانياتها أكبر مما يتوقعه الآخرون.

كرة الجرس رياضة بارالمبية صُممت للرياضيين من ذوي الإعاقات البصرية، تتكوّن لعبة كرة الجرس من ثلاثة لاعبين؛ اثنان في الخلف ولاعب في المنتصف، وتُستخدم كرة بداخلها جرس يعتمد اللاعبون، وهم معصوبو الأعين داخل الملعب، على صوتها للتفاعل معها، وهي رياضة مسجلة ضمن الاتحاد الرياضي المصري للمكفوفين. 

يواجه لاعبو ولاعبات كرة الجرس من المكفوفين في أسوان نقصًا واضحًا في الدعم وأماكن التدريب المجهزة، ما يفرض عليهم خوض البطولات بتدريبات غير منتظمة، خاصة في ظل كونهم الفريق الوحيد بالمحافظة وغياب فرص الاحتكاك. 

ورغم ذلك، يحققون مراكز متقدمة، في انتظار دعم حقيقي يساعدهم على تطوير مستواهم والوصول إلى المنافسات الدولية.

كرة الجرس

طريق شاق نحو حلم مؤجَّل

تقول روان التي ولدت بإعاقة بصرية: "كنا نشارك في بطولات مثل بطولة الجمهورية لكرة الجرس، من غير استعداد كافٍ، ونسافر بدون معسكرات حقيقية أو تدريبات منظمة، وفي معظم الوقت نتحمل مصاريف السفر والتنقل، ومعندناش أماكن تدريب مجهزة أو آمنة رغم إن اللعبة محتاجة دقة وتركيز وأمان".

يواجه لاعبي كرة الجرس من المكفوفين في المحافظات البعيدة مثل أسوان نقصًا واضحًا في الدعم والمعدات، حيث لا تتوافر أماكن مؤهلة للتدريب داخل المحافظة، بينما البطولات 

تُلعب كرة الجرس في نفس الملعب المُستخدم في الكرة الطائرة بطول 18 مترًا وعرض 9 أمتار، تتكون المباراة من شوطين، مدة كل منهما 12 دقيقة، وكان أول ظهور  لها في دورة الألعاب البارالمبية الشتوية تورنتو 1976.

داخل النادي السوداني وجدت روان ما يشبه بيتًا ثانيًا، المدربون منحونها ثقة كانت تحتاجها، بينما ظلت عائلتها سندًا ثابتًا، وجودهم في البطولات يخفف عنها تعب الطريق وضغط المنافسة.

تقطع روان ساعة ونصف يوميًا -وأحيانًا أكثر- من مركز نصر النوبة إلى مدينة أسوان لتصل إلى تدريب بإمكانيات محدودة في الصالة المغطاة بأسوان: "إحنا محتاجين كرات خاصة باللعبة، ونظارات تعتيم توحد مستوى الرؤية بين اللاعبات، وأرضية تدريب آمنة"، وتؤكد أن توفير هذه الأدوات يمكن أن يغيّر مستوى الفريق بالكامل.

ورغم كل الصعوبات، تحلم روان بارتداء قميص منتخب مصر لكرة الجرس يومًا ما، هي تعرف أن الطريق يحتاج دعمًا حقيقيًا من معسكرات قوية وتدريبات منتظمة. 

لكنها أيضًا حققت مراكز متقدمة منها المركز الثاني في بطولة كأس مصر والمركز الثالث في الدوري المصري لكرة الجرس 2024.

شغفٌ بدأ بالفضول وانتهى بغياب الدعم

بدافع الفضول، قررت هاجر محمد 18 عامًا من مدينة أسوان الانضمام إلى فريق كرة الجرس بمدرسة "النور والأمل" للمكفوفين في أسوان خلال المرحلة الثانوية، كانت ترى زميلاتها يشاركن في الفريق وتشعر برغبة في تجربة اللعبة، ومع الوقت أصبحت جزءًا من الفريق الذي يشارك في بطولات المدارس.

ولدت هاجر بضمور وراثي في العصب البصري وتلف في الشبكية جعلها كفيفة، لكنه لم يمنعها من ممارسة الرياضة، واجهت تحديات عديدة، من بينها نقص التجهيزات المناسبة لحالتها أثناء التدريب كما الحال مع روان.

على مدار نحو عامين من ممارستها كرة الجرس، شاركت هاجر في بطولات مدرسية على مستوى إقليم الصعيد، وحقق فريقها الميدالية الذهبية في بطولة المدارس في يونيو 2025، وبذات الوقت كانت تلعب مع النادي السوداني، وتشارك في البطولات الرياضية التي تنُظمها وزارة الشباب والرياضة.

وتُعد بطولة المدارس الرياضية مسابقات تُنظمها وزارة التربية والتعليم لطلاب المدارس بهدف تعزيز الأنشطة الرياضية، اكتشاف المواهب، وتنمية الروح الرياضية لديهم. 

بعد فترة من مشاركة هاجر مع فريق النادي السوداني الذي يضم لاعبات كرة الجرس للمكفوفين في تلك البطولات، توقفت عن اللعب حين بلغت الثامنة عشرة، إذ لا توجد فرق تستقبل لاعبات فوق 18.

ومع دخولها السنة الأولى بكلية الآداب هذا العام، لم تجد وقتًا أو بيئة تساعدها على تطوير مهاراتها في لعبة لا تحظى بدعم كافٍ في أسوان: "فقدت شغفي باللعبة لأنها مش جماهيرية ومفيش تشجيع أو دعم كبير ليها في أسوان، لكن ممكن أرجع ألعب لو لقيت دعم زي اللي بتاخده رياضات تانية". 

ورغم أن النادي السوداني كان يوفر بعض الدعم، مثل تغطية تكاليف الانتقالات والإقامة أثناء البطولات، إلا أن الأماكن التي كانت تُقام بها المباريات مثل بطولة الجمهورية ببورسعيد لم تكن مهيأة للمكفوفين، كما لم يكن هناك أي دعم طبي مصاحب للفريق ضمن أنشطة النادي، بحسب قول هاجر.

بداية خطوات تأمل باب أمل 

مرت رهف أحمد، 16 عامًا، بتجربة مشابهة في ممارسة لعبة كرة الجرس داخل ملعب مدرسة النور والأمل بأسوان، حيث تدرس بالصف الثالث الإعدادي.

كرة الجرس

بدأت رحلتها بتشجيع من معلمتها، التي أقنعتها بإمكانية الموازنة بين الدراسة والرياضة، وخلال ثلاث سنوات فقط تحوّل ترددها الأولي إلى شغف حقيقي باللعبة: "كرة الجرس هي المتنفس الوحيد لي ككفيفة وفرصة حقيقية للاستمتاع بوقتي".

تعاني رهف من مشكلة في شبكية العين جعلت قدرتها على الإبصار جزئية، وخلال المباريات ترتدي قناعًا معتمًا على العينين لضمان تكافؤ الفرص بين جميع اللاعبات، التزامًا بقواعد اللعبة، بحسب قولها.

وخلال سنوات مشاركتها الثلاث في كرة الجرس، حقق فريق مدرستها نتائج لافتة في البطولات التي تنظمها مديرية التربية والتعليم، إذ حصل على المركز الثاني على مستوى إقليم الصعيد عام 2024، ثم تُوِّج بالمركز الأول في العام التالي 2025.

وتزامن نشاط رهف المدرسي مع انضمامها إلى فريق كرة الجرس للفتيات بالنادي السوداني، بدعوة من إحدى صديقاتها، بهدف الاحتكاك بمستويات مختلفة في البطولات الرسمية.

 وبالفعل شاركت مع الفريق في بطولة الجمهورية التي أُقيمت ببورسعيد عام 2025، ونجحت في حصد المركز الثالث.

تتحدث رهف عن التحديات التي واجهتها في بداياتها: "من بينها صعوبة التسديد والتحكم في الكرة، لكن مع التدريب المستمر والصبر اتقنت مهارات الدفاع والهجوم تحت إشراف المدربين".

ورغم ضعف الإمكانيات، لا تفكر رهف في الاستسلام، إذ تطمح بعد الانتهاء من المرحلة الثانوية إلى التفرغ لتطوير مهاراتها والسعي للمشاركة في الأولمبياد.

وتوضح: "ملعب المدرسة أرضيته من البلاط، وده بيعرضني وزميلاتي لكدمات وإصابات، لأن اللعبة في الأساس بتتطلب أرضية خشبية (باركيه)، ورغم كده مكملين". 

وتضيف أن التدريبات في الصالة الخارجية التي كان يوفرها النادي السوداني توقفت مؤخرًا بسبب أعمال الإصلاح، إلا أن النادي ما زال يوفّر لهن تدريبات لياقة بدنية داخل صالة الألعاب الرياضية غير المؤهلة.

وعلى مستوى المشاركات الرسمية، حقق فريق كرة الجرس بالنادي السوداني المركز الثاني في بطولة كأس مصر العام 2024، والمركز الثالث في الدوري المصري لكرة الجرس في نفس العام.

في حكايات روان وهاجر ورهف، تتقاطع طرق مختلفة لكنها تحمل المعنى نفسه؛ فتيات فقدن نعمة الإبصار، لكنهن تمسكن بحلم اللعب الذي اصطدم بعوائق أخرى غير فقدان البصر.