تبدو ندى أحمد، طالبة كلية التربية بجامعة أسوان، شابة تحمل شغفًا قديمًا بالكتابة بدأ منذ طفولتها، حين اعتادت كتابة قصة كل شهر لفهم ما حولها عبر الكلمات، ومع مرور الوقت تحولت الكتابة لديها من هواية إلى مساحة شخصية نمت سريعًا، حتى بدأت تتشكل ملامح مشروع فني.
هذا الشغف وجد طريقه هذا العام إلى الشاشة للمرة الأولى، حين قررت ندى تحويل علاقتها بالكلمات إلى تجربة سينمائية، حيث شاركت كمخرجة ومؤلفة في الدورة العاشرة من مهرجان أسوان الدولي لأفلام المرأة الذي أُقيم في أبريل الجاري، من خلال فيلمها القصير "سن القلم".

وفاز الفيلم بجائزة أفلام الورش ضمن فعاليات المهرجان، وهو ما منح ندى دفعة قوية في بداياتها السينمائية، ولم يكن هذا الفوز مجرد جائزة تُضاف إلى سيرتها الذاتية، بل مثّل اعترافًا مبكرًا بموهبة قادرة على تحويل التفاصيل البسيطة إلى حكايات إنسانية مؤثرة.
تقول ندى: "مشاركتي في مهرجان فني ضخم مثل مهرجان أفلام المرأة، جاء خلفها مشوار طويل من السعي حتى أصل إلى هنا، لا أسعى إلى الربح ولكن كان حبي للكتابة والإخراج سببًا في الوصول إلى هنا".
يتناول فيلم "سن القلم" حكاية إنسانية لفتاة تعاني من شلل الأطفال، لكنها تواجه تحدياتها اليومية بإصرار لافت، مستندة إلى موهبتها في الرسم كوسيلة للتعبير عن ذاتها وتجاوز القيود التي تفرضها حالتها الصحية.
ولادة صوت جديد من قلب التجربة
بدأت ملامح هذه التجربة من ورشة الإخراج التي نظمها مهرجان أسوان الدولي لأفلام المرأة في فبراير الماضي، واستمرت على مدار أسبوعين تحت إشراف المخرجين سيد عبد الخالق وتامر رجب.
هناك، وجدت ندى نفسها أمام تجربة مختلفة تمامًا، إذ لم تعد الفكرة مجرد كتابة مشاهد في الخيال، بل محاولة لترجمتها إلى واقع بصري على أرض التصوير، لتدرك للمرة الأولى معنى أن تكون مخرجة بشكل عملي.
تقول: "لم أكن أفهم تمامًا ما يعنيه أن أكون مخرجة، ولا من أين أبدأ، لكن التجربة علمتني الكثير"، مشيرةً إلى أن حالة التردد التي بدأت بها الورشة تحولت تدريجيًا إلى ثقة متنامية مع كل تمرين وكل مشهد نفذته.
وتضيف أن الاحتكاك المباشر بفريق العمل، والتعامل مع الممثلين والكاميرا، فتح أمامها آفاقًا جديدة لفهم تفاصيل الصناعة السينمائية من الداخل: "مع نهاية الورشة، لم أعد أنظر إلى الإخراج كمساحة بعيدة أو معقدة، بل كخطوة يمكن الوصول إليها بالتجربة والتعلم".
من الواقع إلى الشاشة.. حكاية بسملة
لم يأتِ فيلم "سن القلم" من فراغ، بل انطلق من تفاصيل قريبة من الحياة اليومية، استلهمتها ندى من جارتها بسملة محمد فخري، وهي فتاة في التاسعة عشرة من عمرها تعاني من شلل الأطفال، لكنها تمارس الرسم بطريقة مختلفة تعتمد فيها على فمها.
لم تتعامل ندى مع قصة بسملة باعتبارها حكاية معاناة فقط، بل رأت فيها نموذجًا للإصرار وتحدي الواقع، وهو ما دفعها إلى تحويلها إلى عمل سينمائي يحمل طابعًا إنسانيًا.
"اخترت أن أبتعد عن الطرح النمطي في تناول قضايا ذوي الإعاقة، فلم أركز على جانب الإلهام وحده، بل حاولت تقديم التجربة كما هي، بما تحمله من صعوبات يومية منذ الطفولة، مرورًا بتحديات التعليم والحياة، وصولًا إلى لحظة اكتشاف الموهبة وتحويلها إلى وسيلة للتعبير"، ندى تؤكد.
كواليس بسيطة.. وتجربة غنية
جاء الفيلم على مستوى التنفيذ بسيطًا في مدته التي لم تتجاوز تسع دقائق، لكنه كان مكثفًا في تجربته وما حمله من تفاصيل. تم تصويره خلال يوم واحد فقط في ثلاثة مواقع مختلفة، بينما استغرق المونتاج يومين لإنجازه.
ورغم ضيق الوقت، كان الجو داخل موقع التصوير خفيفًا ومليئًا بالمرح، كما تتذكر ندى: "كنا بنهزر طول الوقت عشان نطلع الشغل بروح حلوة"، وهو ما انعكس على روح الفيلم وإحساسه العام.
ومع كونها أول تجربة إخراجية لها، خرجت ندى بدروس عملية لا تتعلق بالجوانب الفنية فقط، بل بكيفية إدارة موقع التصوير بهدوء والتحلي بالصبر، وسرعة إيجاد حلول بديلة عند الحاجة.
اليوم، تبدو ندى أكثر وضوحًا في اختياراتها، وكأن الصورة التي كانت تبحث عنها بدأت تتشكل شيئًا فشيئًا. وقعت في حب الإخراج، لكنها لم تتخلى عن جذورها ككاتبة: "الكتابة هي الأساس اللي بيرجعني لنفسي دايمًا".
رحلة بدأت بطفلة اعتادت الكتابة كل شهر، ثم امتدت إلى شابة تبحث عن معنى الكاميرا وما وراءها، لتجد نفسها اليوم تخطو أولى خطواتها الجادة نحو عالم السينما، بخطى ما زالت في بدايتها لكنها أكثر وعيًا ووضوحًا.