وسط مدينة أسوان، يقف منزل الأديب الكبير عباس محمود العقاد شاهدًا على مرحلة هامة من حياته، إذ قضى فيه جزءًا من سنوات إقامته بالمدينة التي وُلد فيها عام 1889، بُني المنزل الحالي عام 1944 بمنطقة عباس فريد على مساحة 220 مترًا، بنظام الحوائط الحاملة من الحجر الرملي، ويتكوّن من ثلاثة أدوار.
وبعد سنوات انتقل العقاد إلى القاهرة، ليبقى المنزل شاهدًا على تاريخه، بينما تعيش أسرته فيه حتى الآن، رغم ما يعانيه من تصدعات وتشققات تهدد بنيانه.

وفي يناير 2023، عاد منزل العقاد ليتصدر حديث مواقع التواصل الاجتماعي، عقب تداول أنباء عن إزالته، وذلك بعد أشهر من زيارة اللواء أشرف عطية، محافظ أسوان السابق، للمنزل في يونيو 2022 بمناسبة الذكرى الـ133 لميلاد العقاد.
وخلال الزيارة، وجّه المحافظ بمعاينة المنزل وتفقد حالته، لاستكمال إجراءات الترميم باعتباره قيمة تاريخية، مع بحث إمكانية تحويله إلى متحف ومزار ثقافي، دون تنفيذ ذلك حتى الآن.

تراث يهدده الزوال
ذلك هو حال أغلب المباني التراثية في أسوان، التي أصبحت تعاني من الإهمال بمرور الوقت، رغم ما تحمله من قيمة تاريخية ومعمارية، إذ تقع بين قرارات متباينة ما بين الترميم أو الإزالة، دون حسم واضح يحفظ هذه المباني أو يحدد مصيرها. ومن بين هذه النماذج، منزل عائلة هالة وهبي سعد الدين، الكائن في منطقة ميدان المحطة بأسوان، الذي بُني عام 1932 على مساحة 2200 متر مربع.
وتوضح هالة وهبي سعد الدين، بصفتها وريثة للمنزل، أن المبنى صدر بحقه قرار إزالة منذ عام 2003، ثم تبعه قرار آخر في عام 2020 بالهدم، إضافةً إلى وجود مخالفة بالدور الأرضي، إلا أن هذه القرارات لم تُنفذ حتى الآن بسبب أزمة عقود الإيجار القديم، وتشير إلى أن مصير المنزل ظل معلقًا بين قرارات متضاربة من لجان المحافظة التي عاينت المبنى؛ إذ أوصت إحدى اللجان بإزالة الطابقين الأولين، بينما طالبت لجنة أخرى بضرورة ترميم المبنى للحفاظ عليه

يقول مدير مركز حضارة وتراث أسوان بجامعة أسوان والمتخصص في تراث المدينة، الدكتور رضوان عبد الراضي، إن العديد من البيوت التاريخية في المحافظة تعاني من الإهمال الشديد، من بينها منزل عباس محمود العقاد الذي تأثر بأعمال البناء المحيطة به، إلى جانب عدد من المنازل القديمة في أحياء مثل منطقة المحطة وأطلس.
ويوضح لـ"عين الأسواني" أنه رغم بقاء بعض هذه المباني قائمة حتى الآن واستغلالها كمقار لعيادات أو محلات، فإن ملاكها لا يدركون قيمتها الحقيقية، مشيرًا إلى أن السبب الرئيسي وراء هذا الإهمال يتمثل في ترك الورثة لهذه المنازل لسنوات طويلة حتى ترتفع قيمة الأرض، ثم الإقدام على هدمها لإقامة مبانٍ حديثة أكثر ربحية، وهو ما يهدد بفقدان جزء مهم من تراث المدينة المعماري.

ويُعد منزل العقاد واحدًا من بين ثمانية عشر مبنًى مسجلًا ضمن هيئة التنسيق الحضاري باعتبارها مبانٍ ذات طراز معماري متميز، من بينها منازل تقع في منطقة المحطة، إضافة إلى فندق "كتراكت".
ووفقًا للهيئة، فإن مفهوم المباني التراثية وذات القيمة يرتبط بأسلوب تشكيل المبنى وواجهاته، التي تعكس المدارس المعمارية المختلفة التي ظهرت في مصر عبر العصور، باعتبارها جزءًا من تاريخ العمارة المحلية.
ملامح الطراز المعماري القديم في أسوان
بينما يوضح مدير منطقة آثار أسوان الإسلامية والقبطية، علاء أبو الدهب، أن الطراز المعماري القديم لمدينة أسوان استمد بعض ملامحه من الطراز الذي استخدمه الخديوي إسماعيل في بناء القاهرة الحديثة.

ويشير إلى أنه في الماضي كانت المنازل تتكوّن من طابق واحد، ومع الزيادة السكانية بدأت تظهر المنازل متعددة الطوابق، وتميزت بالأبواب الطويلة، والشبابيك الواسعة، والأسقف المرتفعة.
ويشرح لـ"عين الأسواني" أن بعض هذه المنازل لا يزال قائمًا في شوارع مثل الشيخ صالح وعباس فريد، حيث بُنيت من الطوب اللبن بأسقف خشبية، وتضم زخارف نباتية وحيوانية تعكس اندماجًا بين الطرازين الإسلامي والأوروبي.
ويؤيده نقيب المرشدين السياحيين السابق، عبد الناصر صابر، إذ يقول لـ"عين الأسواني"، إن مدينة أسوان تتميز بطابع معماري قديم يختلف عن الطراز المعماري للنوبة، موضحًا أنه في بعض الأحياء توجد منازل يتجاوز عمرها مئة عام، إلى جانب أخرى بُنيت في ثلاثينيات وأربعينيات القرن الماضي.
وتتميز هذه المباني بطابع القبة والقبو، وتلتحق بها شرفات "بلكونات" خشبية وعناصر الأرابيسك، وهو طراز يجمع بين الطابع الإسلامي وطوابع معمارية أخرى متنوعة.
كما توجد نماذج من هذه المنازل في شوارع مثل نادي بك وبشير بك، ويُعد من أبرز ما يميز الطابع المعماري لمدينة أسوان وجود "الخوخات" مثل خوخة شارع الحسناب، إذ إن بعض هذه الخوخات معرض للهدم رغم مرور أكثر من مئة عام على وجودها، مع التأكيد على أهمية تسجيلها لما تعبر عنه من هوية المدينة.
يتسق ذلك مع دراسة بعنوان "أساليب التعامل مع مشكلات تطبيق سياسات الحفاظ على المباني التراثية ذات القيمة"، الصادرة عن الجمعية العربية للحضارة والفنون الإسلامية عام 2022، والتي تشير إلى أن أبرز التحديات التي تواجه عملية الحفاظ على المباني التراثية تتمثل في مشكلات غير مباشرة نابعة من الظروف المجتمعية السائدة.
وتشمل هذه التحديات التغيرات الاجتماعية، إذ يؤثر المستوى الاجتماعي والثقافي لشاغلي المبنى بشكل مباشر على درجة الاهتمام بالحفاظ عليه، إلى جانب عوامل اقتصادية، حيث تجعل قوانين الإيجارات القديمة في كثير من الأحيان قيمة الإيجار غير كافية لتغطية تكاليف الصيانة، وهو ما يدفع ملاك العقارات إلى بيعها أو هدمها للاستفادة من القيمة المرتفعة للأرض أو استثمارها في بناء عقارات جديدة.
ذاكرة مدينة
يتابع عبد الراضي أنه رغم القيمة التاريخية والمعمارية التي تحملها هذه المباني، فإن معظمها يعاني من الإهمال، حيث يتركها الورثة مهجورة في انتظار ارتفاع قيمة الأرض تمهيدًا لإزالتها.
ويوضح أن القانون المصري ينص على أن أي مبنى مرّ عليه مائة عام ويتمتع بطابع معماري مميز يمكن ضمه إلى قائمة الآثار وحمايته من الهدم، وقد أثبتت هذه الحماية فاعليتها في حالات مثل "فيلا صالح حرب" بأسوان التي أُنقذت، على النقيض من مبانٍ أخرى مثل منزل عباس العقاد الذي أُهمل حتى كاد أن يُهدم.
ويرى عبد الراضي أن هذه المنازل تمثل جزءًا من تاريخ المدينة الذي يواجه خطر الزوال بسبب الإهمال والتحولات الاقتصادية، كما أنها تراث فريد لا يمكن تكراره، فلم يعد هذا الطراز قائمًا بنفس المدرسة المعمارية التقليدية
جانب آخر يتحدث عنه عبدالناصر صابر، نقيب المرشدين، ويضيف أن الاهتمام غالبًا يتركز على الآثار القديمة فقط، رغم أن مدينة أسوان مهمة ومسجلة ضمن مدن التراث العالمي لما تمتلكه من تراث متنوع.
وهنا يؤكد عبدالراضي، مدير مركز حضارة وتراث أسوان، أن هذا التراث يمثل ذاكرة المدينة، وهو في أمسّ الحاجة إلى اهتمام مشترك من الأفراد والمؤسسات والجهات الحكومية لإنقاذه من النسيان.
بين القيمة والمنفعة
بينما ينص قانون تنظيم هدم المباني والمنشآت غير الآيلة للسقوط والحفاظ على التراث المعماري رقم 144 لسنة 2006، في مادته الثانية، على حظر الترخيص بالهدم أو الإضافة للمباني والمنشآت ذات الطراز المعماري المتميز المرتبطة بالتاريخ القومي أو بشخصية تاريخية، أو التي تُعد مزارًا سياحيًا، وذلك دون الإخلال بما يقرره القانون من تعويضات.
يؤكد علاء أبو الدهب أن هناك منازل قديمة في منطقة الشيخ صالح تنطبق عليها معايير المباني ذات الطراز المعماري المتميز، مشيرًا إلى أن بعض هذه المنازل يحمل طابعًا معماريًا قديمًا لكنه غير مسجل رسميًا، نتيجة استمرار وجود سكان بها أو لكونها ملكًا لأصحابها ولهم ورثة.
ويوضح أن هذا الطابع المعماري ينتشر في شرق مدينة أسوان، ويختلف عن أسلوب القباب الذي يظهر في البيوت النوبية بغرب المدينة وفي سيوة. ويضيف أنه في عام 2006 جرى ضم عدد من المباني باعتبارها ذات طراز معماري متميز، من بينها مدرسة عباس العقاد الثانوية العسكرية، وبعض المنازل القريبة من شارع المحطة، إلى جانب منازل قديمة في منطقة الشيخ صالح.
- لا يجوز هدم غير ذلك من المباني أو الشروع في هدمها إلا بعد الحصول على ترخيص يصدر وفقًا لأحكام هذا القانون.
بينما يوضح عبد الراضي أن الحفاظ على هذه المباني يواجه تحديات كبيرة، في ظل صراع قائم بين قيمة التراث ومنطق الربح المادي؛ فبينما ينظر البعض إلى هذه المباني باعتبارها مجرد قطع أراضٍ ثمينة، فإنها في الواقع تراث فريد لا يمكن تكراره، لأن المهندسين الذين صمموا هذا الطراز المعماري المميز لم يعودوا موجودين.
ويؤكد أن هذا التراث يمثل ذاكرة المدينة، وهو في أمسّ الحاجة إلى اهتمام مشترك من الأفراد والمؤسسات والجهات الحكومية، من أجل إنقاذه من النسيان.
وبين منازل تنتظر الترميم، وأخرى تواجه قرارات متضاربة بين الإزالة والحفاظ، يظل التراث المعماري في أسوان معلقًا بين القيمة التاريخية ومنطق المنفعة الاقتصادية.