"بيوتنا تدمرت".. كيف أثرت كباري الدقهلية على سكانها؟

تصوير: سلمى الهواري - أحد الشقق السكانية أسفل كوبري بمحافظة الدقهلية

كتب/ت سلمي الهواري
2026-01-22 16:07:50

في أغسطس 2019 اضطر عماد عبد الحي، 55 عامًا، عامل في شركة الكهرباء، إلى مغادرة شقته المملوكة له في منطقة الصفوة بمدينة طلخا، بعد أن غيّر كوبري الشهيد صانع ماهر - أحمد السيد موسى ملامح الحياة في الشارع. 

البيت الذي كان يومًا مساحة هادئة ومستقرة، تحول إلى نقطة ازدحام دائم؛ حركة سيارات لا تتوقف تحت الشرفة، وضوضاء تمتد حتى الليل، وقلق يومي جعل البقاء فيه عبئًا لا يُحتمل.

كيف أثرت كباري الدقهلية على سكانها؟

رحلة اضطرارية إلى الإيجار

لم يجد عماد حلًا سوى الانتقال إلى شقة بالإيجار بالقرب من مصنع للمشروبات الغازية في أحد أحياء المدينة، سبع سنوات عاشها بين جدران مستأجرة، يقتطع من دخله الشهري ما يغطي الإيجار، بينما ظل جزء من نفسه معلقًا أمام بيته القديم.

يقول: "قررت العودة العام الماضي، لأن الإيجارات ارتفعت من 5000 جنيه شهريًا ثم 7000 جنيه وهو رقم يفوق قدرتي، عدت مرة أخرى إلى الضوضاء نفسها التي اضطرتني للمغادرة قبل سنوات لا أعرف معنى الراحة والهدوء".

يعاني سكان أصليون في الدقهلية من آثار مشروعات الكباري العلوية التي أُنشئت داخل المناطق السكنية، بعدما فرضت عليهم واقعًا يوميًا من الضوضاء والازدحام وتلوث الهواء الناتج عن عوادم السيارات التي تمر على مقربة من النوافذ والشرفات.

كيف أثرت كباري الدقهلية على سكانها؟

هذه التغيرات أجبرت بعض الأسر على ترك منازلهم المملوكة واللجوء إلى وحدات سكنية بالإيجار هربًا من التلوث والصخب، فيما وجد آخرون أنفسهم غير قادرين على تحمّل تكاليف السكن البديل فعادوا إلى بيوتهم رغم ما أصابها من تدهور الطريق وصخب المرور الذي لا ينقطع.

أنشئ كوبري الشهيد صانع ماهر بمدينة طلخا في يونيو 2015 بطول 1000 متر وعرض 14.5 مترًا، ويتضمن حارتين مروريتين في كل اتجاه، ويربط بين مدينتي المنصورة وطلخا وصولًا إلى طريق دمياط، ونُفذ المشروع بواسطة الهيئة الهندسية للقوات المسلحة بالتنسيق مع المحافظة.

يكمل عماد: "المسافة بين شرفة منزلي والكوبري لا تتعدى طول ذراع اليد، وتعرضت للسرقة أكثر من مرة لأن الشرفة مطلة مباشرة على الكوبري، سرق ذهب زوجتي ومبالغ مالية".

كيف أثرت كباري الدقهلية على سكانها؟

تهجير داخلي وضغط اقتصادي

يؤكد عماد عبد الرحمن، المحامي والخبير القانوني، أن ما يتعرض له السكان يمثل مساسًا مباشرًا بالحق في السكن اللائق، إذ تزايدت المشكلات الناتجة عن إنشاء الكباري داخل المناطق السكنية، ما دفع العديد من الأسر إلى مغادرة منازلهم القديمة التي ورثوها أو امتلكوها عبر سنوات، واللجوء إلى شقق إيجار بديلة غالبًا بأسعار أعلى بكثير، وهو ما يضعهم تحت أعباء اقتصادية.

الحق في السكن الملائم بالدستور المصري-.

يضيف لـ"قلم المنصورة": "ينتج عن ذلك نوع من التهجير الداخلي داخل المدينة، وضغط اقتصادي على الأسر محدودي الدخل، وتفاقم في الفوارق الاجتماعية مع بقاء الفئات الأعلى دخلًا أكثر قدرة على الاستفادة من ارتفاع الأسعار".

الحق في السكن الملائم بالدستور المصري.

نفس المعاناة عاشتها نجلاء عبد ربه، 50 عامًا، إحدى سكان منطقة الصفوة بطلخا المتأثرة بكوبري صانع ماهر: "كنا نعيش حياة هادئة لكن مع إنشاء الكوبري أصبحت الضوضاء جزءًا من يومنا، والسيارات تمر تحت نوافذنا على مدار الساعة، وعوادمها تصل إلى الشرفات، حتى النوم بات أمرًا صعبًا، والمساحات أسفل الكوبري تحولت إلى سوق شعبي مزدحم، والمشاجرات بين البائعين تصل إلينا".

تضيف نجلاء: "تركنا منزلنا منذ خمس سنوات وانتقلنا إلى منطقة السماد بطلخا رغم بعدها عن المواصلات والأسواق، كنا ندفع إيجار 3 آلاف جنيه شهريًا ووصل إلى 5 آلاف، لم نعد قادرين على الاستمرار، والآن عدنا إلى منزلنا التمليك نتحمل الضوضاء والتلوث نتيجة الكوبري".

تظهر بيانات مخطط وزارة النقل وهيئة الطرق والكباري أن عدد مشروعات الكباري العلوية المُقامة بمحافظة الدقهلية والملاصقة لمناطق سكنية وصل إلى خمسة كباري خلال السنوات العشر الأخيرة، بتكلفة إجمالية مليار و377 مليون جنيه.

وشملت هذه المشروعات: كوبري "كفر شكر" العلوي الذي افتتح في أكتوبر 2022 بطول 910 متر لكل اتجاه وبقيمة 225 مليون جنيه، وكوبري "طنامل" العلوي بطول يبلغ 540 متر لكل اتجاه وتكلفة تقدر بـ 255 مليون جنيه، فضلًا عن كوبري "بشلا" العلوي الذي أُنشئ في يناير 2020 بتكلفة نحو 200 مليون جنيه. 

كما شمل المشروعات كوبري "صهرجت" العلوي بتكلفة 241 مليون جنيه، بالإضافة إلى كوبري "دكرنس" العلوي الذي افتتح في يونيو 2020 بطول 1250 مترًا وعرض 12 مترًا وبتكلفة بلغت نحو 456 مليون جنيه.

تأثير الكباري على المنازل والأحياء

لم تكن تجربة حسام أحمد، 52 عامًا، بعيدة عمّا عاشه أحمد ونجلاء؛ ثلاثتهم جمعهم الضجيج. يملك حسام محل تجاري ومنزل في قرية بشلا بمحافظة الدقهلية، يعيش منذ سنوات أمام كوبري بشلا الجديد.

على عكس غيره لم يغادر بيته، لكنه بقي يقاوم يوميًا آثار الكوبري الذي صار جزءًا من المشهد أمام نافذته: "مقدرتش أسيب البيت، لكن بعيش المعاناة يوميًا، بيوتنا اتدمّرت واتخربت من التراب وعوادم العربيات، كل حاجة بقت بتتشرب بالغبار".

كيف أثرت كباري الدقهلية على سكانها؟

يمتد السياق الأوسع لأزمة الكباري في مصر إلى ما هو أبعد من محافظة الدقهلية، ففي العام 2020 أثارت صورة متداولة لمحور الملك سلمان بمحافظة الجيزة جدلًا واسعًا، بعدما أظهرت المحور وهو يخترق أحد العمارات السكنية، في مشهد صادم يوضح حجم الصدام بين مشروعات الطرق والتجمعات العمرانية القائمة. 

وكشف الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء في تقرير رسمي أن إجمالي عدد الكباري في مصر بلغ نحو 44,928 كوبري خلال عام 2024، تشمل كبارى المشاة والمركبات، موزعة بين جهات حكومية مختلفة مثل وزارة الموارد المائية والري، والهيئة العامة للطرق والكباري، ومديريات الطرق بالمحافظات.

لذا يشدد عماد المحامي، على ضرورة وضع آليات تنظيمية واضحة للإيجارات الجديدة تراعي المناطق المتأثرة بالمشاريع الكبرى، وتوفير وحدات سكنية بديلة مدعومة أو برامج تمويل مرنة للأسر المتضررة، مشيرًا إلى ضرورة إجراء تقييم أثر اجتماعي قبل تنفيذ أي مشروع بنية تحتية، بهدف قياس تأثيره على السكان المحليين وضمان حقوقهم في السكن.

فيما يؤكد الحسين حسان، الخبير العمراني، أهمية الكباري في تقليل الحوادث والحد من الاختناقات المرورية، لكنه يشير في الوقت نفسه إلى أن قرب هذه المشاريع من الأحياء السكنية يفرض تحديات كبيرة على السكان. 

يضيف لـ"قلم المنصورة": "الضوضاء المستمرة وعوادم السيارات إلى داخل المنازل، وفقدان الخصوصية على الشرفات والبلكونات، إضافة إلى الضغط النفسي الناتج عن مرور المركبات بشكل دائم، كلها عوامل تؤثر سلبًا على جودة الحياة، فضلًا عن تحولها إلى أسواق شعبية تزيد الفوضى".

خطة المحافظة

تقول سلوى الخطيب، 48 عامًا، إحدى سكان المنطقة المواجهة لطريق بنها – المنصورة: "أسكن هنا منذ 25 عامًا، منذ زواجي، وكانت حياتنا مستقرة إلى حد كبير، لكن كل شيء تغيّر مع إنشاء كوبري كفر شكر".

تضيف: "لم يعد هناك شعور بالأمان، وفقدت بيوتنا الخصوصية؛ الشرفات والبلكونات صارت كأنها جزء من الشارع، مع صوت مستمر للعربات، فكّرنا كثيرًا في ترك المنزل، لكن كيف نترك ملكًا، والإيجارات مرتفعة ولا تلبي مستوى معيشتنا؟".

"بيوتنا تدمرت".. كيف أثرت كباري الدقهلية على سكانها؟

لا ينكر أسامة سلامة، مسؤول تنسيق المتابعة الميدانية بالمحافظة، تأثير الكباري على السكان داخل منازلهم خاصة مع انتشار الباعة الجائلين، مؤكّدًا أن المحافظة وضعت خطة تشمل نقلهم إلى أسواق بديلة وحملات إشرافية لمراقبة الالتزام بالقوانين وحماية المارة. 

ويوضح لـ"قلم المنصورة": "الهدف من ذلك هو تحقيق توازن بين مصالح الباعة والسكان وحركة المرور، وجعل المناطق أسفل الكباري آمنة ومنظمة وتحسين جودة الحياة".

بينما يقترح الحسين حسان، الخبير العمراني، إجراء دراسات أثر بيئي واجتماعي قبل تنفيذ أي كوبري جديد، وتخصيص مساحات عازلة أو فواصل خضراء لتقليل الضوضاء والعوادم، وتصميم مخارج جانبية منظمة، ومراقبة النشاط التجاري أسفل الكباري، مع متابعة مستمرة بعد التشغيل لضمان عدم تأثير المشروع سلبًا على السكان.

يجد عماد ونجلاء وسلوى وغيرهم، أنفسهم مجبرين على التعايش مع واقع لم يختاروه، ما بين كوبري يختصر الطريق وبيت فقد سكينته، تظل التنمية الحقيقية مرهونة بقدرتها على حماية الإنسان وحقه في امتلاك منزل هادئ.

تصوير: سلمى الهواري - كباري الدقهلية