على نار الغربة.. كيف صنعت "قهوة الجبنة" حياة جديدة لنساء سودانيات؟

تصوير: فاطمة محمد - قهوة الجبنة

كتب/ت فاطمة محمد
2026-04-07 13:41:26

في حي السيل بمدينة أسوان، لا تحتاج إلى كثير من الوقت لتدرك أنك دخلت عالمًا مختلفًا. رائحة البخور السوداني تختلط بعبق القهوة الطازجة، ومقاهٍ صغيرة مصطفة جنبًا إلى جنب، تتوسطها أواني "الجبنة" فوق مواقد بسيطة، في مشهد أصبح جزءًا من يوميات المكان. 

تتردد اللهجات السودانية بين الجالسين تحمل حكايات نزوح بدأت مع اندلاع الحرب في السودان عام 2023، لكنها لم تتوقف عند حدود الفقد، بل امتدت لتصنع محاولات جديدة للحياة.

 

في هذا الركن من المدينة، تقف نساء سودانيات حملتهن ظروف الحرب إلى أسوان، فوجدن في طقس إعداد "قهوة الجبنة" وسيلة للرزق، وجسرًا يعيد ربطهن ببلاد تركنها خلفهن. 

تُعد الجبنة السودانية نوعًا من القهوة التقليدية ذات الطابع العطري القوي، حيث تُحمّص حبوب البن ثم تُطحن مع الزنجبيل والهيل، قبل أن تُغلى في إناء فخاري مخصص يُعرف باسم "الجبنة"، وهي طقس اجتماعي وثقافي متجذر في السودان وشرق مصر.

داخل أحد المقاهي الصغيرة، تقف نضار عبد الرحمن، في الثلاثينيات من عمرها، تراقب غلي القهوة في "الجبنة" بعين خبيرة، قبل أن تصبها في فناجين صغيرة لزبائن ينتظرون دورهم. تحكي قصتها: "أنا جيت أسوان في 2023 مع زوجي وابني ووالدتي، مع بداية الحرب في السودان". قبل ذلك، كانت نضار معلمة لعلوم الكيمياء.

تضيف: "كنت بشتغل مدرسة كيمياء، ولما جيت هنا حاولت ألاقي شغل في مجالي، لكن أغلب الأماكن طلبت عقد عمل من السودان، وده كان صعب جدًا". ومع تضاؤل الخيارات، لم تجد أمامها سوى أن تبحث عن بديل سريع يضمن لها إعالة أسرتها: "مكنش قدامي حل غير إني أفتح قهوة صغيرة أبيع فيها الجبنة علشان أقدر أغطي مصاريف البيت وإيجار الشقة".

لم تأتِ الفكرة من فراغ، لكنها كانت نتيجة تجربة ومحاولات لم تنجح: "في الأول جربت أبيع سندوتشات، لكن الأكل كان بيفسد عشان ماعنديش تلاجة، فخسرت". عندها عادت إلى ما تعرفه جيدًا، إلى القهوة التي لطالما أشاد بها أهلها وأصدقاؤها في السودان.

من موقد صغير في الشارع إلى مقهى

على بعد أمتار قليلة من قهوة نضار، تدير شفق القرشي، 25 عامًا، مقهى صغيرًا آخر لبيع الجبنة. وصلت شفق إلى أسوان في سبتمبر 2023 قادمة من الخرطوم، برفقة والدتها وشقيقتها، واستقر بهن الحال في منطقة السيل، لكنها لم تجد عملًا، وقادها التفكير إلى إعداد القهوة السودانية وبيعها.

تقول: "في البداية كنت بشتغل في الشارع، بموقد صغير وكراسي بسيطة، ثم تمكنت من استئجار محل صغير وتحويله إلى مقهى بسيط"، تعتمد شفق في مشروعها بشكل أساسي على الزبائن السودانيين المقيمين في المنطقة، بينما يأتي عدد أقل من المصريين بدافع الفضول وتجربة القهوة السودانية.

تتشارك شفق ونضار نفس البداية الصعبة، تقول شفق: "أصعب حاجة كانت إني أتعامل مع عدد كبير من الزباين في نفس الوقت"، ثم تضيف بثقة: "بس مع الوقت بقيت أسرع، وبقيت عارفة أتعامل مع ضغط الشغل".

بينما نضار تؤكد: "في الأول كنت متوترة جدًا من التعامل مع الزباين، خصوصًا إنهم رجال، لكن مع الوقت اتعودت". وتضيف: "بعد 3 أو 4 شهور بقيت أتعامل بشكل طبيعي، واكتسبت خبرة وثقة".

صناعة الجبنة

تمسك نضار "الجبنة" بحرص، وتشرح مكوناتها وكأنها تحكي سرًا: "الجبنة أساسها قهوة بالزنجبيل، وممكن نضيف حبهان أو قرنفل أو قرفة حسب رغبة الزبون، في السودان، مفيش يوم بيعدي من غير الجبنة، وبنستخدم البن الحبشي، وده جزء أساسي من طعمها".

وتتحدث شفق عن تلك العادة: "للجبنة طقوسًا خاصة في السودان في عاداتنا بنشرب الجبنة بعدد فردي من الفناجين، زي واحد أو ثلاثة أو خمسة، بس في ناس بتكتفي بفنجان واحد".

أما رهف صفي الدين، 30 عامًا، سودانية أخرى متخصصة في صناعة قهوة الجبنة في حي السيل، فلديها طريقة مميزة في الإعداد تختلف عن شفق ونضار: "سر طعم الجبنة يكمن في دقة خلط المكونات، خصوصًا البن الحبشي والزنجبيل، وفق نسب محددة، لأن مزجهما يحتاج إلى معايير دقيقة حتى يخرج الطعم الصحيح".

خبرة قديمة تتحول إلى مشروع 

جاءت بداية رهف قريبة إلى حد كبير من حكايات نضار وشفق، إذ وصلت إلى أسوان في أوائل عام 2024 برفقة والدتها وابنتها، بعد نحو عام من اندلاع الحرب في السودان، حاملة معها خبرتها ومحاولتها للبدء من جديد.

في السودان، كانت تعمل في إعداد خلطات القهوة الخاصة بالجبنة وبيعها للمقاهي والكافيهات، وهو ما اعتبرته نقطة انطلاق، لكنها سرعان ما أدركت أن هذا النموذج قد لا ينجح في أسوان بالشكل نفسه: "كنت في السودان بجهز خلطات الجبنة وأبيعها للمقاهي، لكن لما جيت هنا فهمت إن الشغل ده مش هينفع بنفس الطريقة".

ومع هذا الإدراك، قررت تغيير المسار والاعتماد على نفسها بشكل كامل، فاختارت أن تتولى إعداد القهوة وتقديمها مباشرة للزبائن: "ولم يكن الطريق سهلًا، إذ احتجت إلى رأس مال لبدء مشروعي، فاضطرت لبيع جزء من الحُلي الذهبية التي جلبتها معي من السودان، كي أتمكن من استئجار محل صغير في منطقة السيل وحولته إلى مقهى الجبنة".

تتقاطع حكايات النساء الثلاث، نضار وشفق ورهف، وتتشابه في حلم واحد يتجاوز ضيق الواقع: أن تنتهي الحرب ويعدن إلى حياة أكثر استقرارًا. بين فناجين الجبنة التي يقدمنها يوميًا في مقاهي السيل، يحمل كل منهن أملًا مؤجلًا.