في ظل واقع يعيشه الفلسطينيون من معاناة يومية تتباين في تفاصيلها بين مدينة وأخرى منذ اندلاع حرب السابع من أكتوبر 2023، توثق المخرجة الفلسطينية شيماء عواودة، ابنة مدينة الخليل المحاصرة، عبر عدستها ما يحدث على الأرض، لتقدم ما توثقه كصوت سينمائي ينقل التجربة إلى العالم.
وبعد شهرين من فوزها بالجائزة الوطنية الكبرى في مهرجان "كليرمون فيران" الدولي بفرنسا في فبراير 2026، عن فيلمها "ذاكرة متقاطعة"، الذي تستعيد فيه طفولتها في مدينة الخليل، توجهت "شيماء" إلى مدينة أسوان للمشاركة بفيلمها "هذا البيت لنا" ضمن مسابقة الأفلام القصيرة بالدورة العاشرة لمهرجان أسوان الدولي لأفلام المرأة، خلال الفترة من 20 حتى 25 أبريل 2026.
جاء الفيلم ليطرح واقع الحصار الذي يعيشه الفلسطينيون، إلى جانب توثيق الاغتراب والاضطهاد اليومي من خلال بطلة العمل "عائشة"، التي تتحرك بين الخليل وبلجيكا، في محاولة لقراءة مفهوم البيت والحصار بما يتجاوز حدود الجدران المادية.
وفي هذا السياق، التقت "عين الأسواني" بالمخرجة الفلسطينية شيماء عواودة عقب عرض فيلمها في أسوان، ضمن 12 فيلمًا مشاركًا في مسابقة الأفلام القصيرة، للحديث عن تجربتها كصانعة أفلام، وكيف تنقل روايتها الفلسطينية إلى العالم.
- ما الدافع الأساسي وراء اختيار فكرة "البيت" كمحور للفيلم؟ وما علاقته بالبيت بوصفه مساحة تُوثَّق داخل العمل؟
بدأت الفكرة رغبة في تسليط الضوء على تقييد حرية الحركة التي يمارسها الاحتلال الإسرائيلي في منطقة "H2" بالخليل، ووجود بطلة الفيلم "عائشة" في بيتها والاستمرار بالعيش فيه، يُعد أهم فعل تقوم به، لأن ترك المنزل يعني احتمالية فقدانه لصالح الاحتلال.
لذلك أصبح البيت في الفيلم لا يمثل مجرد جدران، بل هو الوطن الذي يحمله الفلسطيني معه في تفاصيله اليومية حتى لو غادر الشارع أو سافر خارج البلاد.
- كيف بدأت العلاقة بينكِ وبين بطلة الفيلم "عائشة"؟ وما الذي جعلها تحديدًا اختيارك للعمل؟
بدأت عندما كنت أبحث عن شخصية تعيش في منطقة "H2"، فاقترحت صديقة لي لقاء أقاربها هناك، ومن بينهم "عائشة". ومنذ اللقاء الأول لفت نظري شجاعة "عائشة" وقوتها، مما جعلني أخترها لتكون بطلة الفيلم، ومع مرور الوقت وتصوير المشاهد، تحولت العلاقة الرسمية بين مخرجة وممثلة إلى صداقة حقيقية مستمرة حتى اليوم.
- كيف يمكن توصيف منطقة "H2" في مدينة الخليل الفلسطينية، وبأي شكل انعكست طبيعتها على بناء فكرة الفيلم؟
منطقة "H2" تخضع لسيطرة الاحتلال الإسرائيلي بالكامل، وهي أيضًا المنطقة التي تعيش "عائشة" فيها وسط تضييقات مستمرة، وصمودها في هذا المكان هو جوهر الحكاية، فالبقاء في هذا البيت هو جزء من نضال أوسع لعرضه للعالم، لأن الفيلم يوثق جزءًا من هذا الصمود الفلسطيني.
- إلى أي حد فرضت التحديات الميدانية تغييرًا على الشكل السينمائي الذي كان مخططًا للفيلم في البداية؟
نعم كانت الخطة الأصلية تعتمد على أسلوب المراقبة، بحيث تكتفي الكاميرا برصد حياة "عائشة" دون تدخل، لكن المنع الأمني فرض شكلًا جديدًا للفيلم، اضطرت مثلًا للظهور في الفيلم لأن الواقع خلق ثلاثة أماكن متباعدة: داخل الحاجز وخارجه وفترة انتقال عائشة في أوروبا، مما جعل الفيلم يتخذ شكل تشاركي يعبر عن الواقع المشتت الذي يفرضه الاحتلال.
- لذا كيف تعاملتِ مع تصوير المشاهد الداخلية في ظل منعكِ من دخول منطقة "H2"؟
بسبب قوانين الاحتلال التي تمنع حرية التنقل بسهولة، خاصة دخول منطقة سكن "عائشة"، لجأت إلى تدريب "عائشة" على استخدام الكاميرا، حتى أصبحت تصور كل شيء خلف الحاجز، بينما أراجع لاحقًا المواد المصورة معها واقتراح التعديلات، ومنحها فرصة للتحكم وتقرير ما تريد عرضه للعالم.
- كيف كان التناقض المكاني بين الخليل وبلجيكا داخل الفيلم لصالح الفكرة الأساسية؟
أردت خلق تباين بين المشاهد المصورة في الخليل والمصورة في بلجيكا بمساعدة أشخاص أعرفهم هناك. ففي الخليل نرى قيود الحركة وحجم الصورة الضيقة ومنع الكاميرا، بينما في بلجيكا يظهر صوت عائشة مسموعًا وهي تتحرك بحرية وتتحدث عما تريد، هذا التناقض يبرز الفجوة الكبيرة بين العيش تحت الحصار والحرية في الخارج.
- ما أبرز الكواليس أو اللحظات العفوية التي فرضها الواقع في أثناء التصوير تحت ظروف التضييق على بطلة العمل؟
تنوعت الكواليس بين الضحك المتبادل والخوف من مواقف معينة، والتي تعطي معنى للحياة وسط التعقيدات، بما فيها الصعوبات التقنية في تسجيل الصوت أو التصوير، وهو جزء لا يتجزأ من توثيق الواقع اليومي الفلسطيني.
كما شعرت في بعض اللحظات بفقدان السيطرة على الفيلم، لأن مشاهده تتجمع من مصادر وأماكن مختلفة، لكنني رأيت أن هذا الشكل المتذبذب الذي لا يسير في طريق مستقيم هو بحد ذاته انعكاس لموضوع الفيلم وواقع الحياة.
- بناءً على ذلك، كيف أثرت ظروف الحرب على مسار إنتاج الفيلم؟
تزامن إنتاج الفيلم مع بداية حرب الإبادة على غزة في أكتوبر 2023، مما أدى إلى تضييقات أمنية مشددة وإغلاقات متكررة في الضفة الغربية. كما أن المسافة بيني وبين "عائشة" كانت تستغرق أحيانًا ساعات طويلة للوصول إليها بسبب الحواجز الأمنية.
- كيف تصفين انطباعك عن تجربتك الأولى في مصر ومشاركتك في مهرجان أسوان؟
سعيدة بزيارتي الأولى لمصر، خاصةً أسوان المدينة الساحرة والجميلة التي تتميز بأماكن خلابة، إلى جانب أن المهرجانات متنوعة في مصر، الفن له دور في خلق تغيير حقيقي في المجتمع ورفع الوعي بالقضايا الإنسانية والألم الذي يعيشه الأفراد، سواء كانت قضايا سياسية أو صحية واجتماعية.