معرض "فشارة وشجر".. ذاكرة بورسعيد للأجيال الجديدة

تصوير: مؤمن مسعد - معرض محمود فشارة ومحمد شجر

كتب/ت مؤمن مسعد
2025-08-31 15:31:47

في حي الشرق بمدينة بورسعيد، وتحديدًا في عمارة "لهيطة" المطلة على الرصيف السياحي لميناء قناة السويس، يقع معرض تراثي يوثق تاريخ المدينة منذ حفر القناة وحتى يومنا هذا، هذا المعرض هو ثمرة جهد استمر خمسة عشر عامًا من البحث وجمع المقتنيات قام به محمود فشارة، طبيب بيطري وصانع محتوى، والدكتور محمد شجر، باحث في تراث وتاريخ بورسعيد.

كان الهدف هو الحفاظ على ذاكرة المدينة من النسيان وإتاحتها للأجيال الجديدة في صورة دائمة ومتاحة للجمهور، ثم تطور الأمر إلى توثيق يومي للحياة في بورسعيد نتيجة طبيعة المدينة الخاصة بما تحمله من تنوع ثقافي واجتماعي فريد، حيث شمل هذا التوثيق مختلف جوانب الحياة، من الأنشطة التجارية والحرفية، إلى المناسبات الدينية والوطنية، وحتى اللحظات البسيطة في الشوارع والمقاهي.

يفتح المعرض أبوابه يومي الأحد والثلاثاء من كل أسبوع من السادسة حتى التاسعة مساءً، ويستهدف جميع الفئات، سواء من أبناء بورسعيد أو زوارها، إذ يرى القائمون عليه أنه ليس مجرد عرض لمقتنيات، بل منصة لتعريف الأجيال الجديدة بتاريخ مدينتهم وتعزيز الانتماء إليها.

بداية المعرض

بدأ المشروع منذ شهرين كمبادرة شخصية، دون أي دعم مؤسسي، نتيجة شغف فشارة منذ طفولته بالتراث، إذ ورث عن والده هواية جمع العملات والطوابع، قبل أن تتسع اهتماماته لتشمل جمع التحف والمقتنيات الأثرية. 

أما محمد شجر، المؤسس الثاني للمعرض، قضى سنوات طويلة يجوب المزادات والأسواق الشعبية مثل "الروبابيكيا" بحثًا عن الصور النادرة والوثائق التي تحفظ ماضي بورسعيد، هذا الشغف المشترك كان الدافع وراء فكرة إنشاء معرض دائم في تلك الغرفة الصغيرة.

لم يحظَ الاثنان بأي دعم مؤسسي، لكن بفضل مبادرة من رئيسة اللجنة النقابية للعاملين بالمحافظة والأحياء، رضا كمالي، تمكنوا من تخصيص غرفة داخل مقر اللجنة، مقابل رسم دخول يبلغ 20 جنيهًا.

اعتمد تجهيز المعرض على جهود شخصية بالكامل؛ حيث اشترى فشارة وشجر "البراويز" وجهزوا الحوائط وعلقوا الصور بأنفسهم، مع ترتيب المحتوى في تسلسل زمني يبدأ من لحظة حفر قناة السويس، مرورًا بفترات الاحتلال، ووصولًا إلى الحاضر، وهي الطريقة التي تمنح الزائر فرصة لتتبع تطور المدينة عبر أكثر من قرن ونصف.

معرض ذاكرة بورسعيد

توثيق مراحل هامة

المعرض يضم صورًا ووثائق ومقتنيات نادرة تعكس مراحل مهمة في تاريخ بورسعيد، منها افتتاح قناة السويس عام 1869، وفترة العدوان الثلاثي عام 1956، وفترات الاحتلال البريطاني والفرنسي، إضافًة إلى توثيق الحياة الاجتماعية والثقافية للجاليات الأجنبية التي عاشت في المدينة، كما يحتوي على مشاهد من الحياة اليومية في حي العرب، وأحداث المقاومة الشعبية، ومظاهر الفنون الشعبية مثل السمسمية.

يقول فشارة: "حققنا نسبة كبيرة من هدفنا بجمع كل ما هو نادر في بورسعيد ويوثق الماضي والحاضر، لكن دي مجرد خطوة بداية، عندنا مقتنيات أكتر بكتير مش قادرين نعرضها بسبب ضيق المساحة، ونتمنى يكون في مكان أكبر في بورسعيد يجمع كل المهتمين بالتراث".

معرض ذاكرة بورسعيد

أما محمد شجر يؤكد: "كان لازم يكون في بورسعيد معرض زي دا عشان الأجيال الجديدة لازم تعرف كل الحكايات القديمة ومتروحش منهم، خصوصًا أن مدينتنا ليها بطولات تاريخية كتبها أبناء المدينة بدمهم ودي حاجات مينفعش تتنسي أو تندفن في الكتب بس".يرى فشارة وشجر أن المعرض لا يقدم صورًا أو وثائق فقط، ولكن يحكي قصصًا حقيقية عن أبناء المدينة الذين عاشوا تلك الأحداث وصنعوا التاريخ، كي يظل الإحساس بالفخر والانتماء حاضرًا في قلوب الشباب والأجيال القادمة.

تحديات على الطريق

رغم النجاح الذي حققه المعرض، إلا أن القائمين عليه يواجهون تحديًا كبيرًا يتمثل في ضيق المساحة، ما يحول دون عرض جميع المقتنيات التي بحوزتهم، يقول فشارة: "أتمنى لو نحصل على مكان أكبر يمكن أن يجمع المهتمين بالتراث، من موسيقيي السمسمية إلى الرسامين وصناع الأكلات الشعبية، بحيث يقدم كل منهم فكرته بطريقته الخاصة، مما يسهم في تنشيط السياحة والحفاظ على ذاكرة المدينة".

معرض ذاكرة بورسعيد

على أرض المدينة التي لا تنسى، وبفضل إصرار فشارة وشجر، أصبح المعرض مثالًا حيًا على أن الجهود الفردية وحب التراث قادران على حفظ ذاكرة المدينة، بعدما حولا المقتنيات الشخصية إلى مصدر معرفة وإلهام.