بين الشغف والفرص المحدودة.. كاتبات يتحدّين المركزية في معرض الكتاب

تصميم| محمد صلاح

كتب/ت مؤمن مسعد
2026-01-29 10:00:03

في مدن بعيدة عن مركز الساحة الأدبية، لا تبدأ رحلة الكتابة من اكتمال النص، بل من سؤال أعمق عن إمكانية الوصول إلى القارئ. في محافظة بورسعيد، تصطدم التجارب الأدبية النسوية بواقع ثقافي تحكمه المركزية، إذ تتركز دور النشر الكبرى والفعاليات الأوسع وفرص الظهور الإعلامي في محافظة القاهرة.

ومع كل انعقاد لمعرض القاهرة الدولي للكتاب، تتحول المشاركة فيه إلى عبء إضافي على الكاتبات القادمات من المحافظات، واختبار لقدرتهن على تحمّل التكاليف ومقاومة التهميش  الثقافي المفروض عليهن، وهو ما يحدث في الدورة الـ57 الحالية المقامة في أرض المعارض بالقاهرة.

في التقرير تتحدث كاتبات من بورسعيد عن تجاربهن في الكتابة خارج العاصمة والمشاركة في معرض القاهرة الدولي للكتاب، والصعوبات التي يواجهنها في الوصول إلى القراء، فضلاً عن محاولاتهن لإبراز صوت المرأة المحلية وإيصال القصص اليومية للمدينة.

شريهان داود: "محافظة بورسعيد تفتقر للورش"

في العام الماضي، وجدت شريهان علي داود، ثلاثينية، وكاتبة من بورسعيد، خريجة كلية التجارة بجامعة قناة السويس، نفسها للمرة الأولى واقفة أمام عمل أدبي يحمل اسمها. تعمل حاليًا أخصائية علاقات علمية وثقافية بجامعة بورسعيد، لم تكن الكتابة جزءً من مسارها الوظيفي، لكنها ظلت مساحة شخصية تتطور معها.

معرض القاهرة الدولي للكتاب 2026

قبل ذلك بعامين، التحقت شريهان بورشة "نوفي ستوري" عن الكتابة الإبداعية في محافظة بورسعيد، على مدار نحو شهرين، خاضت تجربة تدريبية ركزت على البناء الفني للرواية؛ بدءًا من تخطيط المسودة، مرورًا ببناء الشخصيات وصياغة الحبكة، وصولًا إلى جذب القارئ منذ الصفحات الأولى

تقول: "بعد انتهاء الورشة، بدأت خطواتي الأولى نحو النشر، عندما أعلنت دار ذاتك عن فرصة للكتاب الجدد للمشاركة في مسابقة أدبية، واختير عملي الأول "العالق باليم"، هي رواية تاريخية تناولت أوضاع الشعب والفئات المهمشة خلال فترة الحملة الفرنسية على مصر".

ثم شاركت شريهان بعملها الأول في معرض الكتاب العام الماضي، والذي كان يمثل تحديًا كبيرًا بالنسبة لها، إذ لم تتمكن من التواجد إلا ليوم واحد فقط بسبب التكاليف المالية والسفر والحاجة لأخذ إجازة من العمل، بالإضافة المسئوليات الأسرية. 

تضيف: "الكاتبات من المحافظات لا يحصلن على نفس الفرص المتاحة في القاهرة، سواء في المعارض أو الندوات أو حفلات التوقيع، وهو الشيء الذي يؤثر على تطور الكاتب".

اختيار الموضوع وتأثيره على النشر

واصلت شريهان مسيرتها بكتابة رواية “قناص الأمل”، هذه المرة في مجال الفانتازيا الواقعية، وتشارك بها في الدورة الحالية من معرض القاهرة الدولي للكتاب. 

توضح أن اختيار فكرة الموضوع قد يؤثر على فرص النشر، إذ أن بعض دور النشر تعلن مسابقات أو فرصًا محددة لموضوعات معينة، فكانت بحاجة للبحث عن دار تقبل هذا النوع من الأعمال.

وعن تجربتها مع دور النشر، تقول شريهان: "يمكن لأي كاتب التواصل مع دور النشر عبر البريد الإلكتروني، ولكن القبول يعتمد غالبًا على الحظ، والمنافسة صعبة، خصوصًا للكتاب الجدد".

كما فكرت شريهان في البدائل الإلكترونية، لكنها تلقت نصيحة من كتّاب أكبر سنًا بأن النشر الإلكتروني قد يقلل من فرصها في النشر الورقي، إذ لا تعتبر بعض دور النشر النص مؤهلًا للطباعة.

كيف تؤثر المركزية على فرص الكتّاب

على نحو مختلف، بدأت منى خليل، 30 عامًا، ابنه بورسعيد وخريجة المعهد الفني الصحي قسم تمريض، مسيرتها الأدبية بكتابة مقالات على عدة مواقع عبر الإنترنت، قبل أن تتجه لاحقًا إلى الكتابة الورقية.

معرض القاهرة الدولي للكتاب 2026

تطورت مسيرتها الأدبية بعد ذلك مع إصدار مجموعة القصص "زينب والأيام الوهمية" مع دار نشر ميتابوك في المنصورة العام 2022، التي أعلنت عن فرصة للنشر وقد نجحت منى في الحصول عليها، وشاركت بها في معرض الكتاب وقتها لتكون أول تجربة قصصية متكاملة لها.

بعدها وصلت روايتها "التاريخ الذكوري لدرة" مع دار نشر بيت الياسمين بالقاهرة، إلى القائمة القصيرة لجائزة طه حسين للرواية المنشورة، التي ينظمها نادي القصة بالقاهرة عام 2024.

هذا العام تشارك منى في معرض الكتاب بروايتين: "خادم الأمير الشرقي"، التي تمزج بين التاريخ والخيال، و"كوكب البعنخي"، وهي رواية خيال علمي تدور أحداثها في عالم تتحول فيه الروبوتات إلى كائنات حية قادرة على الحمل والولادة

رغم هذا النجاح، ما زالت تواجه منى تحديات كبيرة مرتبطة بالمكان الجغرافي. تقول: "غياب دور النشر الكبرى عن بورسعيد اضطرني للسفر إلى القاهرة، وهذا حملني أعباء مالية وجهدًا ذهنيًا"، كما وضحت أن محدودية المكتبات في المحافظة وقلة الإقبال على القراءة، يمثل عائقًا أمام تطور الكتّاب.

أين مؤسسات بورسعيد من دعم الكتاب؟

وسط هذه التحديات المستمرة لكاتبات بورسعيد، ترى منى الجبريني، 41 عامًا، عضو مجلس إدارة نادي أدب بورسعيد ورئيسة لجنة مدن القناة وسيناء بالجمعية المصرية لكتابة القصة والرواية، أن تحسين المشهد الثقافي في بورسعيد يتطلب دعم الكتّاب لبعضهم البعض، والترويج لأعمالهم، بالإضافة إلى تقديم نقد بناء وتنظيم فعاليات ملموسة على أرض الواقع

معرض القاهرة الدولي للكتاب 2026

وتوضح أن فرص الكتابة في بورسعيد تختلف من شخص لآخر؛ بعض الكتاب يحققون نجاحًا وشهرة، خاصة عند حصولهم على جوائز أو ترشيحات، بينما يواجه الجزء الأكبر من الكتّاب صعوبة في الانتشار بسبب تكاليف السفر والنشر، مما يحد من وصول أعمالهم إلى جمهور أوسع.

تقول الجبريني: "أنا معلمة لغة إنجليزية، وبدأت رحلتي مع الكتابة في عام 2014 مع أول رواية لي بعنوان أسطورة الفرعون الأخير، مستوحاة من الأساطير والحضارة المصرية القديمة، وقتها تواصلت مع دار نشر في القاهرة عبر البريد الإلكتروني، وما إن أعجبتهم الرواية حتى بدأت مشواري في عالم النشر".

وتضيف أن الرواية الأولى تطلبت دفع تكاليف مادية، وهو أمر شائع عند النشر في القاهرة، خاصة مع غياب دور نشر محلية في بورسعيد، موضحة أن سياسة دور النشر تختلف من دار إلى أخرى، فجميعها تعمل كجهة تجاري.

وترى أن معرض القاهرة الدولي للكتاب يمثل فرصة كبيرة، فهو يجمع دور النشر والقراء من مختلف أنحاء مصر والوطن العربي، ويوفر فرصة للاطلاع على نماذج جديدة من المبدعين. أما معرض بورسعيد للكتاب، فتشير إلى أنه يحتاج إلى دعاية أكبر، خاصة لجذب الشباب والمراهقين لتعريفهم بأهمية الكتاب وتشجيعهم على القراءة وزيادة وعيهم الثقافي.

فيما منى الجبريني هذا العام برواية "نبوءة الصمت"، التي تستعرض دوافع النفس البشرية في الاختيار بين الخير والشر عبر شخصيات متعددة، وتمزج بين الواقع والخيال والفانتازيا

يبقى التحدي الأكبر للكاتبات في المحافظات هو تحويل الشغف إلى إنتاج يُقرأ ويُحتفى به، وهو هدف لا يتحقق إلا بدعم محلي مستمر، يمنح الكتاب فرصًا عادلة للإبداع.