هيثم فهمي من الرصاص إلى الحميمية.. كيف وثّق تاريخ النوبة وأسوان؟

صورة أرشيفية للمصور هيثم فهمي

كتب/ت فاطمة محمد
2025-07-22 10:00:04

"الحميمية الصادقة"؛ هكذا عبر المصور هيثم فهمي عن رحلته، التي بدأت بين جدران البيوت الطينية في أسوان على ضفاف النيل، كانت هناك دومًا عين ترصد التفاصيل وتوثق الحياة في صمت، بكاميرا يحملها المصور الأسواني هيثم فهمي، الذي لم يرَ في التصوير مجرد مهنة، بل شغفًا ورسالة ومحاولة لصياغة تاريخ بلده.

لم تكن البداية استثنائية، منذ عام 2006، التقط هيثم، 44 عامًا، كاميرا صغيرة، لا تحمل من الإمكانيات ما يُبهر، لكنها كانت كافية لتوثيق الحياة في أسوان بكل ما تحمله من بساطة وجمال، بدأ يلتقط الصور دون أن يُفكر في الجوائز أو المعارض، تحوّلت عدسته إلى شاهد حي على الحياة الأسوانية.

المصور هيثم فهمي

يقول هيثم لـ"عين الأسواني": "كانت الكاميرا حلم طفولتي، لكنني كنت دائمًا أرى العالم بشكل مختلف، بدأت علاقتي بالفن من بوابة الرسم، كنت أرسم الوجوه والمشاهد التي تعبرني، دون أن أدرك أنني سأحمل يومًا عدسة تُحوّل كل ذلك إلى ذاكرة بصرية خالدة".

البداية الفنية

كان لميلاد المصور الأسواني هيثم فهمي في قرية أبو الريش قبلي أثرًا في حبه للتصوير، منذ سنواته الأولى؛ بدأ يظهر شغفه بالرسم والفنون التشكيلية، متأثرًا بالبيئة البصرية الساحرة التي تحيط به؛ من المياه المتهادية إلى الزراعات الخضراء، ما غرس داخله حسًا فنيًا.

لم تكن رحلته مع الكاميرا ممهّدة، في بداياته؛ لم تتقبل أسرته بسهولة فكرة أن يصبح مصورًا، يقول: "التصوير لم يكن خيارًا تقليديًا في عائلتي، كان هناك قلق مشروع من المجهول، أو مستقبل غير مضمون لكنني وجدت أصدقاء آمنوا بي وشجعوني، قالوا لي: ما تراه بعدستك لا يراه الجميع، فاستمر".

المصور هيثم فهمي

لذا لم ينتظر هيثم دعمًا مؤسسيًا، لم يدخل إلى عالم الصورة من بوابة الدراسة الأكاديمية، بل صنع طريقه بجهده وشغفه: "قرأت كثيرًا، راقبت بيئتي المحيطة أكثر، ثم جاءت مرحلة التجربة، ألتقط الصور العشوائية عن الحياة في أسوان والنوبة.. وأصحح".

انتقل هيثم عقب ذلك إلى المشاركة في ورش تصوير احترافية، بعضها محلي وبعضها دولي، تعلّم من خلالها أساسيات فنون التصوير، من البورتريه إلى توثيق الحياة البرية والفلكلور الشعبي.

حصل خلال رحلته على عدة شهادات معتمدة، منها شهادة في أساسيات التصوير الفوتوغرافي_ من الأردن_ عام 2013، أخرى في تصوير الحياة البرية_ من الجمعية المصرية لحماية الطبيعة_ في ديسمبر 2014، إلى جانب تدريب متخصص في تصوير البورتريه من اتحاد المصورين العرب عام 2015.

عين تعشق التصوير

ومن هنا اختار المصور الأسواني هيثم فهمي أن تكون عدسته في خدمة الإنسان البسيط، فكرّس فنه لتوثيق تفاصيل الحياة اليومية في الجنوب؛ من الأسواق والبيوت النوبية، إلى العادات الريفية والمشاهد التي تمرّها العين دون انتباه، لكنها تختزن روح المكان وصدقه.

 يقول: "النوبيون يشعرون بالفخر حين يرون صورًا تعكس ملامحهم الحقيقية، صور الضحكات، الأيدي، البيوت، المراكب، كلها تسرد حكايتهم التي لا تُقال بالكلام".

المصور هيثم فهمي

تجلّى هذا الإيمان بالصورة كأداة للتوثيق والتعبير في مشروع مجتمعي أطلقه بجزيرة هيسا، حيث درب 15 طفلًا على فن التصوير، محاولًا زرع الفكرة الأهم في عقولهم: "الكاميرا ليست مجرد أداة أو لعبة، بل نافذة لرؤية الذات والمحيط، لذا أحببت نقل التجربة والتعليم للصغار، اخترت جزيرة هيسا لأنها تضم النيل، الناس، الجبال، الروح، فيها كل شيء يشبهني".

يضيف: "أردت أن ينظر الأطفال إلى قريتهم بعيون جديدة، علمتهم كيف يلتقطون الجمال من زوايا لم يرها أحد من قبل، فجاءت الصور صادقة، ناطقة ببراءة لم تمسّها يد التوجيه".

وهنا التقط هيثم الصورة الأقرب إلى قلبه لطفل من أطفال الجزيرة يبتسم وهو يحمل الكاميرا بعد انتهاء التدريب: "في تلك اللحظة، شعرت أن الحلم تحقق".

جوائز دولية

تنقّل هيثم بعدسته بين المهرجانات والمعارض، مشاركًا في أكثر من عشر فعاليات فنية، بينها مهرجان أسوان الدولي لأفلام المرأة عامي 2022 و2023، إلى جانب معارض أُقيمت في الإمارات وتونس. 

ورغم أنه لم يُقم معرضًا شخصيًا بعد، إلا أنه يرى في كل مشاركة جماعية فرصة لاختبار صدى فنه أمام جمهور متنوّع، ويعتبرها منصات مفتوحة للحوار مع العالم.

المصور هيثم فهمي

شارك فهمي في تصوير عدد من الأفلام القصيرة، التي حازت على جوائز، أبرزها فيلم "شهر إلا يوم" الذي نال جائزة أوسكار للأفلام القصيرة عام 2017، كما حاز فيلم "حكايتها" على أفضل فيلم في محور "أفلام ذات أثر" عام 2022، فيما كان مديرًا لتصوير فيلم "العروسة" الذي نال جائزة أفضل قصة عام 2023، إضافًة إلى أفلام "ملك الأكورديون، الفلوكة، ست أخوات، الفرقة 18"، الذي نال عنه جائزة "بطل من بلدنا" من وزارة التضامن الاجتماعي عام 2024.

وعن الجوائز، يقول هيثم: "هي تقدير جميل، لكنها ليست الهدف، ما يعنيني حقًا أن تصل الصورة للناس، تترك أثرًا فيهم، الصورة الصادقة لا تُنسى، حتى لو لم تُكرَّم".

يرى فهمي أن صوره لا تقتصر على جمالها البصري أو دقتها التقنية، بل يكمن في الحميمية الصادقة التي تنبع من داخله وتتشبّع بها عدسته، يقول: "التصوير ليس مجرد أداة لتوثيق اللحظة، بل وسيلة للحفاظ على الذاكرة، للتغيير أيضًا، الصورة يمكن أن تكون مرآة وهوية".

ينتمي أسلوبه البصري إلى مدرسة البساطة والضوء الطبيعي، على حد قوله، لا يهوى "الفلاتر" الثقيلة ولا يبالغ في التعديل الرقمي، يلاحق الظلال ويفضّل الألوان الترابية التي تعكس أرض النوبة وشمس أسوان: "ألجأ أحيانًا إلى الأبيض والأسود لأنه يمنح اللحظة جلالًا إضافيًا".

صدمات وتحديات

رغم الرحلة المضيئة التي قطعها بعدسته، لم يكن مشوار هيثم فهمي خاليًا من الصدمات، واحدة من اللحظات التي لا تغيب عن ذاكرته كانت أثناء تغطيته تفجير إرهابي في أسوان عام 2013، يقول: "كنت أصوّر والجثث أمامي، قلبي يرتجف والكاميرا بين يدي، لم أكن أملك خيارًا سوى التوثيق، رغم أنني كنت أشعر أنني أحمل شيئًا أثقل من عدسة كنت أحمل مسؤولية الوجع".

وفي عام 2011، خلال أيام ثورة يناير، تنقل هيثم وسط الرصاص والغاز المسيل للدموع، ممسكًا بالكاميرا كأنها درعه الوحيد: "كنت أشعر أنها تحميني، لكنها كانت عبئًا أيضًا، لأنك لا توثّق لحظات عادية، بل وجع شعب، صرخة زمن، خوف لا يمكن شرحه".

ثم جاءت لحظة أكثر قسوة عام 2018، حين فقد بصره مؤقتًا بسبب إصابة في عينه، بدا حينها وكأن كل شيء انتهى، وكأن العالم الذي رآه طويلًا عبر عدسة قد أُغلق فجأة، لكنه نهض مجددًا، أكثر إصرارًا: "حين عاد إليّ بصري، عدت أنا أيضًا لكن بروح جديدة، أدركت حينها أن التصوير ليس كاميرا فقط، بل رؤية داخلية وشعور وانتماء حقيقي لما تصوره".

المصور هيثم فهمي

لكن هذا الإصرار يصطدم أحيانًا بواقع لا ينصف الفن، يشير هيثم إلى أن الدعم المؤسسي للفن البصري في أسوان ما زال محدودًا، وأن ما يُبذل من جهود غالبًا ما يكون فرديًا واجتهاديًا، يفتقر إلى الاستمرارية أو الاحتضان الحقيقي للمواهب، يوضح: "نحتاج إلى مساحات عرض دائمة وورش عمل حقيقية للشباب، أن يصبح الفن البصري جزءًا من الشارع والمدرسة والذاكرة اليومية للناس".

"كمصور، لا ألتقط مشاهد عابرة، بل أوثّق ذاكرة الناس وهوية مجتمع وتاريخًا قد لا يُكتب في الكتب"، يحلم هيثم بإصدار كتاب بصري يوثق النوبة بكل تفاصيلها، إنشاء مدرسة للتصوير في أسوان، تُعلّم الناس كيف يسردون قصصهم بعدساتهم، لا بكلمات غير مكتملة: "لذا استمر في حمل الكاميرا وتصوير الحياة في أسوان بعيون تحبها أولًا".