رحلتي

تصميم| محمد صلاح

كتب/ت شهد الهيثم
2025-08-15 12:00:05

مرت أسابيع ثقيلة وشهور باهتة وأنا أطرق أبواب الشركات بحثاً عن فرصة عمل، أذهب للمقابلات وأقدم أفضل ما عندي، لكن في النهاية، كان الرد دائماً بالرفض. كنت أتساءل بمرارة: هل العيب في مؤهلاتي؟ أم أن هناك شيئاً آخر أجهله؟ لكن بصيص أمل لاح في الأفق، فرصة أخيرة للعمل في شركة مرموقة.

استجمعت قواي وذهبت للمقابلة وأنا مجهزة بكل أوراقي وشهادتي، أحاول إخفاء قلقي وراء ابتسامة واثقة. بعد انتهاء المقابلة، قال لي المدير ببرود رسمي إنه سيرد عليّ سواء بالموافقة أو الرفض.

 وبعد أسبوع، اهتز هاتفي برقم غريب، كانت سكرتيرة الشركة تدعوني للذهاب لسماع الرد. شعرت بنبضات قلبي تتسارع، لكن فرحتي لم تدم طويلاً. بينما كنت في طريقي المتردد إلى الشركة، رن هاتفي مرة أخرى. كانت السكرتيرة، لكن نبرة صوتها كانت مختلفة، باهتة ومترددة: "آنسة... لقد تم شغل الوظيفة. للأسف، لم يتم اختيارك".

انطفأ وهج الأمل في داخلي. شعرت بغصة مريرة في حلقي. بعد كل هذا الجهد والانتظار، يأتي شخص آخر ويقتنص فرصتي. في تلك اللحظة، تيقنت أن هذا هو السبب الذي يدفع بالكثير إلى البحث عن فرص في الخارج. وهذا ما بدأ يدور في ذهني بجدية. أمسكت بهاتفي وبدأت أتصفح أحد التطبيقات، قرأت أخبار صديقتي المقربة التي سبقتني إلى هذا الطريق، تعمل في فرنسا وتحقق نجاحاً.

في يوم عيد ميلادي، كنت أتحدث مع صديقتي عبر الهاتف لنستعد للخروج والاحتفال، وبينما كنا نتبادل أطراف الحديث، ذكرت أن الشركة التي تعمل بها أختها الصغرى في فرنسا تبحث عن موظفين جدد في مجالات التسويق والحسابات. عرضت عليّ بحماس أن أقدم طلب عمل هناك، وأن أعيش مع أختها في سكن مشترك. فرحت كثيراً لهذه الفرصة التي بدت كطوق نجاة، لأنني كنت أنوي بالفعل مفاتحتها في هذا الأمر.

عدت إلى البيت بحماس متوهج لأخبر أبي، لكن كلماتي اصطدمت بجدار صلب من الرفض القاطع. انطفأ حماسي وتلاشى الأمل الذي بدأ يتشكل. اتصلت بصديقتي وأنا أجرجر خيبة أملي، لكنها كانت نعم السند، شجعتني على عدم الاستسلام ومحاولة إقناع أبي. جلست أياماً أحاول تليين موقفه، أشرح له أن أخت صديقتي ستكون معي، وأنني سأعمل معها في نفس الشركة، مما سيضمن لي نوعاً من الحماية والأمان.

بعد أسبوع من المحاولات المضنية، ذهبت إليه بنبرة يائسة: "يا أبي، إن لم تسمح لي بالعمل في الخارج، سأتوقف عن الطعام." تردد أبي للحظات، نظر إليّ بعينين قلقهما ثم حول بصره بعيداً. ظللت أياماً أنتظر إجابته وأنا مضربة عن الطعام، وفي الوقت نفسه، كنت أجهز أوراقي تحسباً لموافقته المفاجئة.

في أحد الأيام، جاء عمي لزيارة أبي، وجلسا يتحدثان بصوت خفيض في غرفة المعيشة. لم أستطع سماع ما كان يدور بينهما، لكن بعد قليل، نادتني أمي بصوت يحمل ترقباً: "يا ابنتي، عمك يريد أن يتحدث معك." دخلت إلى الغرفة وألقيت السلام عليهما بقلب يخفق. بدأ عمي الحديث مباشرة، وكأن كلماته كانت مُجهزة بعناية: "لقد علمت من والدكِ ما تريدينه يا ابنتي... ولكن تعلمين أننا عائلة محافظة، ولم تذهب أي فتاة للعمل بمفردها خارج البلاد في تاريخ عائلتنا أبداً. وذلك بسبب قصة ابنة عمتك الكبيرة التي سافرت للعمل منذ سنوات و... قتلت هناك. منذ ذلك اليوم، منعنا أي فتاة من العمل بعيداً. فما رأيكِ أن تخرجي هذه الفكرة من رأسكِ؟ نحن نخاف عليكِ يا ابنتي."

استمعت إلى كلمات عمي بتركيز شديد، وقلبي ينكمش خوفاً من القصة المروعة، لكن إصراري على تحقيق حلمي كان أقوى من الخوف. رفضت بهدوء وأخبرته أن أخت صديقتي ستكون معي، وأنني لن أكون وحيدة، وأن هذا سيحميني. ثم نظرت إلى كليهما، عمي وأبي، وقلت بصدق: "ألستم تثقون بي؟ لقد أخبرتكم أنني حاولت بكل الطرق الممكنة هنا ولم أجد فرصة حقيقية. لذا دعوني أخوض هذه التجربة وأعمل في الخارج. لا تقلقوا عليّ، فأنا كبيرة وأعلم كيف أهتم بنفسي. بالإضافة إلى أن أخت صديقتي ستكون معي، وهذا يعني أنني لن أكون وحيدة تماماً." أخذ عمي يفكر ملياً، وعلامات التردد بادية على وجهه. في النهاية، وبعد نقاش طويل، وافق عمي وتمكن من إقناع أبي المتردد.

وها أنا الآن، بعد خمس سنوات من ذلك اليوم العصيب، أعمل في فرنسا. الأمور تسير على ما يرام، وقد حققت بعض الاستقرار المادي والشخصي. لكن المشكلة تكمن في أن هذه البلاد منفتحة على نحو مبالغ فيه، وهذا يضع تحدياً يومياً أمام تمسكي بعاداتي وتقاليدي الشرقية. ومع ذلك، لا مشكلة حقيقية طالما أنني ما زلت أضع حدوداً واضحة وأحافظ على جوهر هويتي.