أدهم والـ"Ai"

تصميم/محمد صلاح

كتب/ت نورهان عبد الرحمن
2025-07-12 08:00:06

يتذكر "أدهم" وقد تجاوز أواخر العقد الثالث من عمره، طعم الحياة قبل أن يغزوها "الكيان السالب" كما كان يسميه في سره، طفولته وشبابه المبكر.

 كان عبارة عن استكشاف دائم للعالم المحيط به، فكان يصلح لعبته المكسورة بنفسه، ويفكّر في حلول لمشاكله الصغيرة، دون مساعدة خارجية، وحتى واجباته المدرسية كانت تتطلب منه بحثًا في الكتب، ومجهودًا ذهنيًا حقيقيًا، الحياة كانت بسيطة، تعتمد على الفطرة السليمة والقدرة على التفكير النقدي، والناس يتواصلون وجهاً لوجه، يناقشون أفكارهم بحرارة، ويتبادلون الخبرات مباشرة.

ولكن في مطلع الألفية بدأ الغزو الهادئ، حيث ظهرت الأدوات الذكية، وبدأت تسهل بعض المهام، ففي البداية، كان الأمر ممتعًا، يوفر بعض الوقت والجهد، لكن سرعان ما تحول الأمر إلى إدمان، البحث عن المعلومة أصبح نقرة زر، واتخاذ القرار مجرد سؤال يُطرح على "المساعد الذكي" شيئًا فشيئًا، تراجعت الحاجة إلى التفكير العميق وحل المشكلات بشكل مستقل.

أدهم، الذي كان يتمتع بذاكرة قوية وقدرة على التحليل، وجد نفسه محاطًا بأجيال تعتمد كليًا على الذكاء الاصطناعي، زملاؤه الأصغر سنًا لم يعرفوا يومًا كيف يبحثون عن معلومة في كتاب، أو كيف يرسمون خريطة طريق في أذهانهم، حتى أبسط العمليات الحسابية كانت تتطلب منهم استشارة هواتفهم الذكية.

في البداية، حاول أدهم مقاومة هذا التيار، حيث اتجه لقراءة الكتب الورقية بدلاً من البحث في موسوعة رقمية، و اتجه لحل الألغاز المنطقية بنفسه حتى يتذوق متعة التفكير،  لكن مع مرور الوقت، شعر وكأنه يعيش في كوكب آخر، النقاشات أصبحت سطحية، تعتمد على معلومات جاهزة يقدمها الذكاء الاصطناعي دون تدقيق أو تفكير، الإبداع تراجع، وحل محله نسخ وتعديلات بسيطة على قوالب جاهزة.

في يوم من الأيام، وجد أدهم نفسه في اجتماع عمل حاسم، طُرحت مشكلة معقدة تتطلب تحليلًا دقيقًا وتقييمًا للنتائج المحتملة، نظر أدهم حوله، فوجد الجميع ينتظرون إجابة "النظام الذكي" الذي يعرض البيانات على الشاشة، حاول أن يبدي رأيه بناءً على خبرته وتحليله الخاص، لكن نظرات زملائه كانت تدل على الاستغراب، وكأنهم يقولون: "لماذا تتعب نفسك بالتفكير؟ الحل سيأتي قريبًا من تلك الآلة الذكية."

في تلك اللحظة، شعر أدهم بغربة حقيقية، أدرك أن العقول البشرية أصبحت بالفعل في طي النسيان، القدرة على التفكير، على الابتكار، على حل المشكلات بشكل مستقل، كل هذه المهارات التي ميزت البشر لقرون طويلة، بدأت تتلاشى أمام سيطرة الآلة.

تساءل أدهم في صمت: ما هو مستقبل هذا العالم؟ عالم يعتمد كليًا على كيان خارجي للتفكير واتخاذ القرارات؟ ماذا سيحدث عندما يواجهون تحديًا حقيقيًا لا يستطيع الذكاء الاصطناعي التنبؤ به أو حله؟ هل سيكونون قادرين على إيجاد الحلول؟ أم أنهم فقدوا القدرة على ذلك للأبد؟

نظر أدهم إلى يديه، تذكر الأيام التي كان يستخدم فيها عقله لاستكشاف العالم وحل مشاكله، شعر بحنين عميق لتلك البساطة، لتلك القدرة الكامنة التي منحها إياها عقله البشري، قبل أن يصبح مجرد مستخدم تابع لذكاء اصطناعي لا يملك روحًا ولا إحساسًا.