لم يكن الشاب عبد الله أشرف، 14 عامًا، يدرك أن ركلته لكرة في منتصف الطريق ستفتح ملفًا خطِرًا يعيشه أهالي نجع الشريفات التابع لقرية إدفا بمحافظة سوهاج، فعندما انطلقت الكرة أسفل عجلات سيارة مسرعة، كادت اللحظة أن تنتهي بكارثة، ليعود عبد الله وأصدقاؤه إلى منازلهم دون أن يتمكنوا من استكمال لعبتهم، بينما تلاحقهم نظرات قلقة من الأهالي، في ظل غياب مكان آمن يحتضن حقهم البسيط في اللعب خلال الإجازة الصيفية.
وتتقاطع قصة عبد الله مع مئات الأطفال والشباب في نجع الشريفات، الذين يواجهون يوميًا مخاطر لعب كرة القدم في الطرقات غير الآمنة، في ظل غياب مركز شباب داخل النجع يجمع طاقاتهم ويوفر لهم مساحة آمنة لممارسة الرياضة.

يروي صالح السيد، 12 عامًا، تفاصيل معاناته اليومية أثناء اللعب في الشوارع، قائلًا إن غياب مكان مخصص لممارسة الرياضة يدفعهم إلى اللعب في شوارع القرية، وسط حركة السيارات والمنازل، ما يتسبب باستمرار في اصطدام الكرة بالسيارات المارة أو بجدران منازل كبار السن، فضلًا عن تلف بعض مصابيح الشوارع. وغالبًا ما تتطور هذه المواقف إلى مشادات كلامية مع الأهالي واحتجاز الكرة لمنعهم من اللعب.
ويضيف صالح بأسف: "بنضطر للعب في الشارع لعدم وجود أي ملعب بالنجع، وتعرضت كذا مرة لحوادث، والعربيات كانت هتدوسني".
وتقول أم أحمد، إحدى ربات البيوت بالقرية، إن لعب الشباب في الشوارع يحرم الأهالي من الراحة بسبب الضجيج وارتطام الكرة بأبواب المنازل. وتؤكد أن توفير مركز شباب قريب من شأنه أن يحمي الأبناء، ويضمن هدوء البيوت، ويخفف الأعباء المالية المرهقة على الأسر التي تتكبد مصاريف للمواصلات واشتراكات الأندية البعيدة، فضلًا عن تخفيف الخوف الدائم على سلامة الأطفال والفتيات من مخاطر الخروج إلى الشارع.

في المقابل، يؤكد سكرتير القرية، عطية عبد اللاه، وجود مركز شباب بنجع الغوانم، على بُعد 500 متر فقط، يخدم أبناء المنطقة.
لكن هذا الحل لا يبدو مناسبًا لبعض الأهالي؛ إذ يوضح مصطفى عمر، الطالب بالصف الثالث الإعدادي، أنهم يضطرون إلى الذهاب لحجز ملاعب خاصة في القرى المجاورة، وتبلغ تكلفة الساعة الواحدة نحو 60 جنيهًا، فضلًا عن مصاريف المواصلات وإهدار الوقت والجهد في التنقل.
ويحكي مصطفى أنهم في أحيان كثيرة يلغون التمرين بسبب عدم قدرتهم على استكمال دفع التكاليف أو لعدم توافر وسائل المواصلات.
ويختصر كريم عيسى مشقة ممارسة كرة القدم بدفع 300 جنيه شهريًا، إلى جانب تكاليف مواصلات مرهقة، مقابل ساعة لعب واحدة أسبوعيًا في أكاديمية خاصة. ويوضح أن العجز المالي يوقف التمارين قسرًا ويدفعهم إلى الشارع، مطالبًا بإنشاء مركز شباب يخفف العبء المادي عن الأسر ويحمي مواهب الأطفال والشباب.
ويمنع الأهالي الأطفال الصغار من الخروج من القرية لممارسة الرياضة، بل وأحيانًا حتى من اللعب في الشارع، كما يحدث مع يحيى أشرف، الطالب بالصف الرابع الابتدائي.
ويشعر يحيى بالحزن لعدم قدرته على ممارسة رياضته المفضلة، كرة القدم، بحرية، بسبب عدم وجود أماكن آمنة وقريبة.
وعلى صعيد الفتيات، تكشف إيمان خلف، الطالبة بالصف الأول الثانوي، عن المعاناة المزدوجة التي تواجهها فتيات القرية. وتقول إن غياب المساحات الآمنة والقريبة يحرم الفتيات تمامًا من ممارسة الرياضة؛ إذ يرفض الأهالي خروجهن للعب في الشوارع أو التنقل بمفردهن إلى أماكن بعيدة، في ظل صعوبة المواصلات وخوف الأسر عليهن. ومع مرور الوقت، تفقد الفتاة اهتمامها بالرياضة.
وتضيف إيمان بمرارة أن المجتمع يكرس نظرة مبتذلة لا ترى الرياضة أولوية للفتاة، خلافًا للدراسة، بعكس الفتيان الذين يجدون في الشارع بديلًا متاحًا للعب على الأقل، بينما تُحرم الفتاة كليًا من ممارسة الرياضة إذا لم يتوفر مركز مغلق وقريب.
"نفسي أمارس الرياضة".. بهذه الكلمات البسيطة تختصر الطفلة آلاء حمادة، 9 سنوات، حلمها الضائع بين اللعب بدميتها في المنزل والحرمان من الرياضة بسبب بُعد المراكز وتهميش رياضة الفتيات.
وتحذر والدة آلاء من أن حرمان الأطفال من ممارسة الرياضة يحبس طاقاتهم ويحولها إلى ضغوط نفسية تثقل كاهل الأسرة، وتنعكس سلبًا على أجواء المنزل.
وتسلط أسماء عثمان، 20 عامًا، الضوء على تجربة الفتيات داخل نجع الشريفات، معربة عن حلمها باللعب بحرية في مكان يوفر لهن الراحة والأمان، بعيدًا عن المضايقات.
وتشير منال محمد، والدة أحد الأطفال بالنجع، إلى وجود قطعة أرض تصلح لبناء مركز شباب، مؤكدة أن العديد من أهالي القرية على استعداد لدعم الفكرة في حال الحصول على الموافقة الرسمية.