استيقظ أيمن فكري، أربعيني، يوم الخميس 9 أكتوبر الماضي، على صوت مرتفع لم يسمعه في حياته، شعر بذعر كأن منزله على وشك السقوط، لكن تفاجأ بسقوط منزل ملاصق له والمكون من 3 طوابق، دون وقوع إصابات أو وفيات لكونه منزل خالٍ من السكان.
فكري يبيع "الروبابيكيا" وينام على "الكارو"
يقع منزل أيمن الذي يعمل في "الروبابيكيا" ضمن المنازل الآيلة للسقوط في شارع محمد الصغير، الذي شهد خلال مايو من الماضي سقوط منزلين آخرين دون إصابات أو وفيات، يقول: "تضرر منزلي بشكل جزئي، والركام قفل الباب، كلمت رئيس حي مصر القديمة أشرف نور، إني عايز منزل بديل عشان كدة بيتي أصبح في خطر ومعرض للسقوط في أي وقت لكنه رد وقالي الحي مش بيوفر منازل بديلة".

وأوضح فكري أنه اضطر لنقل أسرته المكونة من بنتين وابنه الذي لم يتخطَ العشر سنوات، إلى منزل أخيه في حي الخليفة الذي يبعد عن منزلهم في شارع محمد الصغير بمسافة 4.6 كيلومترات وتحتاج المسافة إلى قرابة 36 دقيقة، بحسب خرائط جوجل، وينام فكري في الشارع على عربته الخشبية "كارو"، حتى يراقب المنزل، خوفًا من سرقته أو سقوطه
يعاني سكان شارع محمد الصغير من أزمة المنازل الآيلة للسقوط، إذ كان يضم 9 منازل آيلة للسقوط، سقط منهم منزلين خلال مايو الماضي، وسقط آخر الأسبوع الماضي، بينما ما زال هناك 6 منازل آيلة للسقوط حتى الآن تضم قرابة 20 - 24 أسرة.
يقع شارع محمد الصغير بالقرب من كورنيش النيل، على مسافة من قسم شرطة مصر القديمة، وبحسب شهادات الأهالي أن قوات من قسم الشرطة ورئاسة حي مصر القديمة، الحماية المدنية والإسعاف وصلوا بعد سقوط منزل الأسبوع الماضي بنصف ساعة.
وتنص المادة 90 من قانون البناء الموحد، رقم 119 لسنة 2008، على أن للمحافظ أو رئيس الهيئة المختص الحق في إصدار قرار بإخلاء العقار كلياً أو جزئياً، إذ ثبت من تقرير لجنة المنشآت الآيلة للسقوط أن المبنى يشكل خطرًا، وتتيح المادة 119 بالقانون حلول من قبل الهيئات المعنية، قبل الهدم من بينها الترميم أو التدعيم أو الهدم الجزئي، بينما توفر المادة 104، صندوق يقرض ملاك المنازل الآيلة للسقوط دون فائدة، لترميم وتدعيم المنزل، ويخصص له من الموازنة العامة للدولة 0.5% من الموازنة الاستثمارية.
السكان: الحي أبلغنا شفهيًا بالإزالة
وأكد أهالي المنازل الآيلة للسقوط في محمد الصغير لمحررة "صوت السلام" أنهم أبلغوا شفهيًا بعدد من قرارات الإزالة ستصدر قريبًا من الحي دون توضيح، ويؤكد خالد محمد، أربعيني، حرفي ومن سكان الشارع، أن منزله ملاصق للمنزل الذي سقط الأسبوع الماضي، إذ يصف شعوره بالذعر لحظة السقوط، بينما أغلق باب منزله كاملاً بسبب الركام، وخرج أبناءه وزوجته بصعوبة من باب المنزل، وانتقلوا للعيش مع أحد أقاربهم في منطقة الزهراء.
ويعيش محمد في المنزل المتضرر جزئيًا لمراقبته، بينما يضطر للقفز من أعلي سطح منزله لمنزل آخر بالشارع -بعد استئذان مالك المنزل- حتى يخرج ويمارس عمله، وصفًا شعوره بأنه "مسجون"، بعدما أغلق الركام باب منزله.
وأضاف محمد "أنا صنايعي على الله، وأغلب سكان المنطقة على صنايعية وعمال، ومش معانا فلوس نجيب شقة بديلة، دي شقق أهالينا وكلها إيجار قديم، أنا محتاجة شقة بديلة لأني بقيت حاسس أن الفقير ملوش مكان".
جدران مشققة آيلة للسقوط
ما يشهده شارع محمد الصغير من أزمة المنازل الآيلة للسقوط لا يُعد حالة استثنائية، بل هو انعكاس لأزمة أوسع تعانيها مختلف المحافظات المصرية، في ظل تفاقم مشكلة المباني المهددة بالانهيار على مستوى الجمهورية، إذ بلغ عددها نحو 97,535 مبنى وفقًا لبيانات التعداد العام للسكان والإسكان والمنشآت لعام 2017 الصادر عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء.
وبحسب تقرير سابق نشرته صوت السلام في 17 أغسطس الماضي، بعنوان: "آيلة للسقوط.. أسر مصرية تواجه التشريد أو الموت تحت الأنقاض"، كشف أن نحو 20 أسرة في شوارع مختلفة من دار السلام (الفتح - الفيوم) التي تبعد عن مصر القديمة نصف ساعة تعيش في منازل آيلة للسقوط، وتواجه قرارات بإخلائها ضمن حملة محافظة القاهرة لهدم العقارات الآيلة للسقوط، وهي الحملة التي تسارعت وتيرتها عقب حادث انهيار منزل بحي السيدة زينب في 18 يونيو الماضي، والذي أسفر عن مصرع شخصين وإصابة خمسة آخرين، وأكد الأهالي آنذاك أن الحي لم يطرح عليهم أي بدائل للسكن.
وقال هاشم عبدالله، حرفي ومن سكان شارع محمد الصغير، أنه منزله بالقرب من المنزلان الذين سقطوا في مايو الماضي، ورغم مرور قرابة 6 أشهر على سقوطهم، لم يزيل الحي الركام حتى الآن، بينما لم يعوض السكان بمنزل بديل، ولم يرمم منزل عبدالله الذي تضرر حزئيًا، موضحًا أنه يعيش في منزل يخاف من جدرانه، لأنها مشققة واقتربت من السقوط، معبرًا "أنا بكون نايم بليل وأنا خايف من الحيطة تقع عليا أو على عيالي الخمسة ونموت واحنا نايمين، الشارع كله مدمر وعلى كف عفريت".
ويشير الدكتور حمدي عرفة، أستاذ الإدارة المحلية، في تصريح لـ"صوت السلام"، أن هناك في تفاقم أزمة المباني الآيلة للسقوط بمصر، موضحًا أن عدد المنازل المهددة بالانهيار في القاهرة وحدها يقترب من 5 آلاف منزل، وهو رقم قابل للزيادة في ظل استمرار غياب الخطط الاستباقية، مما يعرض مئات الأسر لخطر التشريد.
وتنص المادة 78 من الدستور المصري، على أن "تكفل الدولة للمواطنين الحق في المسكن الملائم والآمن والصحى، بما يحفظ الكرامة الإنسانية ويحقق العدالة الاجتماعية".