حكايات من ورش خياطة يقودها أطفال.. بين الإصابة وغياب التأمين الصحي

تصميم: محمد صلاح

كتب/ت مريم أشرف
2026-02-10 11:52:45

 

يستيقظ محمد سعيد، 18 عامًا، من نومه على آلام حادة أسفل ظهره. منذ ثلاث سنوات بدأت تلك الآلام تلازمه بسبب العمل داخل ورشة خياطة في حي دار السلام بالقاهرة ويقاومها عبر المسكنات.

بدأ سعيد العمل داخل ورش خياطة في شارع الفتح منذ كان في السابعة عشرة، مستغلًا إجازة الصيف ومستمرًا في الدراسة: "أصبت بانزلاق غضروفي، بسبب العمل وحين طلبت من صاحب الورشة علاجي رفض لأننا ليس مؤمن علينا صحيًا".

عمل الأطفال بلا تأمين صحي

تستقطب ورش خياطة في دار السلام عددًا كبيرًا من الأطفال للعمل داخلها من أعمار 15 - 20 عامًا، مقابل يومية تتراوح بين 100 و150 جنيهًا، دون تأمين صحي، ويواجه عاملون بها مخاطر إصابات العمل دون أي حماية طبية.

يتناقض ذلك مع المادة 18 من الدستور التي تكفل الحق في رعاية صحية متكاملة لكل مواطن، والحصول على تغطية وتأمين صحي شامل.

يعمل سعيد في مهنة "المشطّب"، داخل الورش، وهي وظيفة تعتمد على قص الزوائد، وتتطلب الوقوف والجلوس قرابة 12 ساعة يوميًا.

وتنص المادة 62 في قانون العمل، رقم 14 لسنة 2025، على "يُحظر تشغيل الأطفال قبل بلوغهم خمس عشر سنة". 

وفي سياق أوسع، وقع حادثًا مروعًا، في نهاية شهر يونيو 2025، أودى بحياة 19 فتاة وإصابة 3 أخريات من عاملات جمع العنب، أغلبهن دون السن القانونية، من قرية كفر السنابسة بمحافظة المنوفية، إثر اصطدام ميكروباص كان يقلّهن بشاحنة على الطريق الإقليمي بالمحافظة.

وأكدت الناجيات حينها أن المصنع الذي يعملن لصالحه لم يكن يوفر لهن أي شكل من أشكال التأمين الصحي.

بلغ عدد عمالة الأطفال في مصر 1.3 مليون طفلًا من بينهم 900 ألف طفل في بيئة عمل خطرة، وفق اليونيسف خلال العام 2024.

ومن بينهم 8.4% في ريف الوجه القبلي، مقابل 5.1% في الحضر، وفي ريف الوجه البحري بلغت النسبة 5.1%، مقابل 2.9% من الحضر.

يومية 100 جنيه مقابل مخاطر 

يقول هاني هلال إن أكثر الأطفال تعرضًا للانتهاكات في سوق العمل هم العاملون بالزراعة والعمالة المنزلية، ثم الأطفال داخل الورش غير المرخصة، وهي واسعة الانتشار ولا توجد بيانات عنها، ما يجعلهم خارج نطاق الحماية والرقابة الرسمية.

القدر نفسه، واجهته شهد شريف، 18 عامًا، حين أصيبت بجرح عميق في يدها بعد أن اخترقت الإبرة المتحركة لماكينة الخياطة كفها أثناء العمل، ما استدعى خياطة طبية تركت أثرًا ما زال يذكرها بالإصابة. 

تحرك صاحب الورشة مع بعض العاملين لإسعافها، وتوجهوا بها إلى مركز طبي صغير قريب من الورشة، ودفع صاحب العمل 700 جنيه مقابل الإسعاف ومستلزمات الخياطة الجراحية. 

تقول شهد التي تعمل في ورشة خياطة بالحي: "لم يكتف صاحب الورشة بعدم التأمين الصحي علينا ولكن تحملت نصف مبلغ علاج الإصابة، ودفعت 350 جنيه من يوميتي، هو مدفعش بقية مصاريف الحادثة".

لذا يؤكد نجاد البرعي، المحامي الحقوقي، أن عمال وعاملات المهن الخطرة مثل الخياطة هم من الفئات الأكثر استحقاقًا للتأمين الصحي، لاسيما من هم دون السن القانوني، لاحتمال فقد أطرافهم أو التعرض لمضاعفات صحية.

يتقاضى كل من شهد وسعيد يومية قدرها 100 جنيه، بما يعادل نحو 3000 جنيه شهريًا، إذ لا توفر الورش إجازات أسبوعية مدفوعة الأجر، بينما تمتد ساعات العمل بين 10 و12 ساعة يوميًا دون فترات راحة كافية.

 

تحدث هذه الممارسات رغم ما يفرضه قانون التأمينات الاجتماعية والمعاشات رقم 148 لسنة 2018، الذي يعاقب في مادته (168) صاحب العمل الذي لا يشترك للعاملين لديه في التأمينات الصحية.

ووفق ذلك القانون يوضح مجدي البدوي، نائب رئيس اتحاد عمال مصر، أن تشغيل الأطفال فوق سن 15 عامًا مسموح به قانونيًا وفق شروط محددة، من بينها توفير اشتراطات السلامة والصحة المهنية، وتقليل ساعات العمل، وضمان بيئات عمل آمنة. 

غير أن ورش الخياطة في مصر -والتي غالبًا ما تنشأ داخل عمارات سكنية دون الحصول على تراخيص تشغيل- تفتقر لهذه الاشتراطات، ما يعرّض الأطفال لمخاطر صحية ونفسية، وفقًا له.

انعدام الأمان الصحي والاجتماعي

يعرّف قانون التأمين الصحي الشامل رقم 2 لسنة 2018 صاحب العمل بأنه "كل من يستخدم عاملاً أو أكثر من المؤمن عليهم الخاضعين لأحكام هذا القانون".

ويحذر البرعي في حديثه لـ"صوت السلام" من أن استمرار هذا الوضع لا يضر فقط بحقوق العمال، بل يتعارض أيضًا مع السياسة العامة للدولة التي تستهدف مد مظلة التأمين الصحي الشامل إلى جميع المواطنين.

وفي الاتجاه نفسه، يطالب مجدي بدوي العمال بتسجيل بياناتهم في مكتب العمل فور التحاقهم بالورشة، لتمكين المكتب من إجراء بحث وتفتيش على مقر التشغيل.

وعلى أرض الواقع، تبدو آثار غياب الحماية واضحة في تجربة سلمى عبد العزيز، التي التحقت بورشة خياطة وهي في الرابعة عشرة من عمرها، واستمرت حتى بلغت التاسعة عشرة الآن.

بدأت سلمى بيومية 50 جنيهًا ثم ارتفعت إلى 100 جنيه خلال خمس سنوات مقابل عمل يمتد لعشر ساعات يوميًا: "كنت بروح من 10 الصبح وبخلص 8 بليل، وكنت طول الوقت قلقانة إن الإبرة تدخل في إيدي، لأن مش هيكون معايا فلوس أتعالج"، في ظل غياب دور صاحب العمل وعدم توفير أي حماية صحية لها.

وتفسّر الدكتورة هالة منصور، أستاذة علم الاجتماع في جامعة بنها، هذه الحالة بأن العامل الذي لا يحصل على تأمين صحي يشعر بانعدام الأمان الاجتماعي والصحي، فلا يرغب في الانتماء لمكان العمل أو التطور داخله، بل يميل إلى الانسحاب.

 

وتؤكد لـ"صوت السلام" أن هذا الأثر يكون أكثر تعقيدًا لدى الفئة العمرية الصغيرة التي تعمل في هذه الورش، حيث تتشكل لديها صورة سلبية مبكرة عن العمل والحرف اليدوية.

وتحذر دراسة منشورة في المجلة العلمية بكلية الآداب بجامعة دمياط العام 2022 من تراجع فرص الأطفال التعليمية بسبب انخراطهم في سوق العمل. 

وتوضح الدراسة أن أغلب هؤلاء الأطفال يعانون من ضعف اهتمام الأسرة بالتعليم، ما يدفعهم للبحث عن عمل مبكرًا لتوفير دخل إضافي للأسرة. 

وتشير النتائج إلى أن الطفل العامل إما يتسرب من التعليم نهائيًا، أو يحضر بشكل متقطع نتيجة علاقته المضطربة بالمدرسة، سواء بسبب ضغوط العمل أو مشكلات أسرية واقتصادية.

وتتضافر هذه العوامل يدفع كثيرًا من الأطفال للعمل داخل الورش الصغيرة، بفعل الموجات التضخمية وارتفاع الأسعار. 

عمالة الأطفال تواجه بيئات عمل غير آمنة

ويؤكد صاحب إحدى ورش الخياطة في دار السلام- فضّل عدم ذكر اسمه- أنه لا يوفر تأمينًا صحيًا للعاملين، مبررًا ذلك بعدم قدرته على تحمل تكلفة التأمين التي تبدأ من نحو 20 ألف جنيه، إلى جانب عدم بقاء العاملين في الورشة لفترات طويلة تتجاوز عامًا واحدًا. 

ورفض صاحب الورشة الإجابة عن أسئلة معدّة التقرير حول المخاطر الصحية التي يتعرض لها العاملون، مكتفيًا بالقول: "أنا بتكفل بأي مصاريف لأي عامل يتعرض لمشكلة صحية في الشغل"، في إشارة إلى نفيه أهمية إدراج العمال ضمن منظومة التأمين الصحي الشامل.

ويفسر أحمد مهران، الخبير القانوني ومدير مركز القاهرة للدراسات القانونية والسياسية، هذا الطرح بأنّه ليس مسألة عجز عن سداد تكلفة التأمين بقدر ما هو محاولة للتهرب من المساءلة القانونية المرتبطة بعمالة الأطفال، موضحًا أنه في حال تقدم صاحب الورشة بأوراق العاملين -وهم أطفال- للحصول على التأمين، فسيُعد ذلك إخطارًا رسميًا بوجود عمالة أطفال غير قانونية، ما يعرض الورشة للغلق والمخالفة.

ويضيف مهران: "في حالة تعرض الأطفال لخطر صحي أو استغلال، قد تصل العقوبة إلى الحبس من سنة إلى ثلاث سنوات، وقد تصل إلى السجن المشدد".

- لا تتوافر إحصاءات رسمية حول عدد الأطفال العاملين داخل الورش، بينما قطاع الزراعة يستحوذ على النسبة الأكبر من عمالة الأطفال بنسبة 60%.

وحاولت "صوت السلام" التواصل مع محمد جبران، وزير العمل، عبر الهاتف و"الواتساب" للاستفسار عن جهود الوزارة في حماية الأطفال العاملين في تلك الورش الصغيرة، إلا أنها لم تتلقَّ ردًا.

تحدث تلك الانتهاكات في ظل الخطة الوطنية لمكافحة أسوأ أشكال عمل الأطفال (2018-2025)، والتي تم تنفيذها من خلال مشروع مشترك بين منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف)، وبرنامج الغذاء العالمي، ومنظمة العمل الدولية، ممثلة بمكتبها بالقاهرة.

وفي المقابل، تعيش شهد مع أثر جرح غائر في يدها يذكرها بيوم وصفته بالمرعب، بينما لا يستطيع سعيد النوم ساعات كاملة بسبب الانزلاق الغضروفي، وكلاهما يعمل في بيئات غير آمنة تفتقر إلى شروط السلامة والصحة المهنية.

 

أُجريت المقابلات مع العاملين/ات ممن تجاوزوا السن القانوني 18 عامًا فقط.

جميع الأسماء المذكورة في هذا التقرير، مستعارة بناءً على طلبهم\هن وحفاظًا على هويتهم\هن.