تفوح رائحة الورق في المكان، بينما تعمل ماكينات الطباعة بلا توقف، تمتزج أصواتها مع أصوات سكان الشارع وهم يعلّقون زينة رمضان، فيما يتحرك العمال بين الماكينات بسرعة ممنهجة.
على مكتبٍ خشبي يتوسط المكان، يجلس حاتم عبد النبي، مالك مطبعة متخصصة في طباعة المصاحف بشارع مصر حلوان الزراعي في حي دار السلام بالقاهرة، يراجع كل نسخة من المصحف بعناية، يتأكد من جودة الخط والتجليد، قبل أن تنتقل النسخ إلى أيدي أصحابها، وتبدأ رحلتها في طقوس العبادة خلال شهر رمضان.
في دار السلام، تزدهر عملية ترميم المصاحف داخل ورش الطباعة مع حلول رمضان، حيث يلجأ أصحاب المصاحف الموروثة أو القديمة إلى تجديدها أو تغليفها، ولكل مصحف منها حكاية يرويها أصحاب الورش لـ"صوت السلام" في ذلك التقرير.

ترميم المصاحف.. ذاكرة وإرث إنساني
مع حلول شهري رجب وشعبان، لا ينام حاتم عبد النبي ولا العشرون عاملًا الذين يعملون معه في الورشة، حيث يتضاعف الطلب على ترميم المصاحف قبل رمضان، إذ يحرص كثيرون على التبرع بمصاحف جديدة أو مُرمَّمة للمساجد أو الأفراد، باعتبارها عادة خيرية تدخل في طقوس الشهر وفقًا له.
وخلال هذه الفترة تزور المطبعة مصاحف تجاوز عمر بعضها السبعين عامًا من أجل التجليد أو الترميم.
يحكي عبد النبي، 58 عامًا: "افتتحتُ المطبعة عام 2006، واتخذتُ منذ البداية قرارًا بأن يكون عملها مخصصًا للمصحف فقط، لذا عملنا يرتبط بمواسم معينة مثل شهر رمضان وعيد الأضحى، الأمر الذي يدفعنا إلى العمل لساعات طويلة قبل حلول الشهر".

يضيف: "نعمل ما يقارب 12 ساعة يوميًا لنُلبي الطلب المتزايد، نُخرِج نحو عشرة آلاف نسخة يوميًا، بالإضافة إلى حوالي مئتي نسخة نقوم بتجليدها أو ترميم أوراقها ترميمًا بسيطًا".
يروي: "بيوصلني مصاحف بقالها من 70 لـ 100 سنة، بيكون مصحف جد أو والد شخص وتوفى، لكنه كان معاه طول حياته. واللي بيخلّي الشخص عاوز يقرأ في رمضان من مصحف والده أو جده إنه بيفتكره ويدعيله في شهر الرحمة. الموضوع كله مشاعر فقد وذكريات".
مصحف عمره 110 أعوام.. حكايات من دفتر الترميم
ومن بين الحكايات المرتبطة بترميم المصاحف في رمضان، يروي محمد محسن، 61 عامًا، مالك مطبعة متخصصة في طباعة المصاحف بشارع الفيوم، أنه قام بترميم مصحف تجاوز عمره 110 أعوام في رمضان العام 2019.
كان المصحف لجدّ أحد زبائنه، وحاول محسن إنقاذ ما استطاع من أوراقه، إلا أن بعض الصفحات لم تعد قابلة للترميم. ويشير إلى أن المصاحف القديمة تحتاج إلى صيانة دورية حتى لا تتعرض صفحاتها للتلف الكامل.
داخل ورشة لا تتعدى مساحتها ثلاثة أمتار، يجلس محسن بينما تتكدس حوله نسخ نهائية من المصاحف في طريقها إلى أصحابها.
يوضح أن طرق الترميم تختلف باختلاف خبرة من يقوم بها: "كلما تطورت مهارة الصنايعي استطاع أن يُرمِّم كتبًا أقدم وورقًا أكثر تهالكًا، لكن ما نقوم به نحن ومعظم الورش في دار السلام يمثل الحد الأدنى من الترميم. فصنعة الترميم الحرفي موجودة لكنها قليلة، وتكلفتها مرتفعة وقد تصل إلى ألف جنيه في مصحف صغير".
ويشرح محسن خطوات الترميم التي يتبعها للمصاحف في رمضان: "تبدأ بفك صفحات المصحف بحرص شديد، وهي مرحلة قد تستغرق نحو أربع ساعات، ثم تنظيف الورق باستخدام فُرش مخصّصة، وفرز الصفحات الضعيفة لدعمها بأحبار وصبغات معينة قبل تركها لتجف قرابة 24 ساعة، لتصبح جاهزة للمرحلة التالية وهي الخياطة، ثم التجليد النهائي".
بينما يسرد عبد النبي طريقته في ترميم المصاحف: " تبدأ، كما يقول، بالحصول على موافقة سنوية من هيئة الأزهر الشريف للنموذج المعتمد للمصحف. ثم تُطبع الصفحات على ماكينات الطباعة، ويتولى عمال آخرون ترتيبها وجمعها، قبل أن تنتقل إلى مرحلة الخياطة، وهي المرحلة التي تتطلب عددًا أكبر من العمال وتستغرق وقتًا أطول مقارنة بالمراحل السابقة".
مهنة في حب شهر الصوم
يتقاطع محسن وعبد النبي في تحديات مشابه لمهنتهم أبرزها ارتفاع أسعار الورق، إذ يؤكد محسن أنها أثرت عليه خلال السنوات الثلاثة الماضية: "إذ ارتفع سعر المصحف متوسط الحجم من 18 جنيهًا إلى نحو 50 جنيهًا بسعر الجملة، ما قلّل من قدرة الزبائن على شراء كميات كبيرة، ودفعني للاعتماد على طلبات المساجد والزبائن المعتادين الذين يشترون المصاحف مع حلول كل رمضان".
ويتفق معه عبد النبي الذي يرى أن ارتفاع سعر الورق أثَّر على حجم الطلب والإنتاج معًا، وهو ما أعاق خططه في التوسع وافتتاح مطبعة ثانية، فاكتفى بتسديد مستلزمات التشغيل ورواتب العمال، بينما ظل حلم التوسع حاضرًا في ذهنه، كما يقول.
وفي نهاية شهر رمضان، يخلع محسن قفازه الذي يرتديه خلال عمليات الترميم اتقاءً لجروح حواف الورق التي تركت آثارها على يديه، لكنه لا يخفي رضاه عن هذه المهنة التي رافقته منذ عام 2010: "لم أشعر يومًا بالملل. يكفيني أن ما أفعله يجعل رمضان مختلفًا للناس، ويفتح لهم باب العبادة أو التبرع أو إحياء ذكرى من غابوا".
بينما عبد النبي يصف عمله: "ترميم المصاحف مهنة حب لشهر الصوم، واحتفال موازٍ لطقوس رمضان وزينته"؛ ليكون الاثنان سببًا في استعادة المصاحف رونقها خلال شهر رمضان.