ديوان عن "دار السلام".. شوارع الحي شكلت هوية "خيري" الشعرية (حوار)

تصوير: مريم أشرف - الشاعر محمد خيري في ضيافة "باشكاتب"

كتب/ت مريم أشرف
2026-02-17 12:09:07

في شرفة منزله المطلة على كوبري دار السلام، يقف الشاعر محمد خيري، 30 عامًا، يتأمل مرور عشرات "الميكروباصات" و"التكاتك"، ويفتح هاتفه ليكمل كتابة قصيدته. المشهد الذي رافقه منذ طفولته، تسلل إلى أعماق أفكاره ليصبح جزءًا من هويته، بينما ترافقه أصوات "كلاكسات" السيارات، فتتحول هذه الحياة اليومية إلى مصدر إلهام لكل إبداع يطرأ على عقله.

قابلت "صوت السلام" محمد خيري، الشاعر من دار السلام بالقاهرة، الذي يعمل أيضًا محررًا ومسؤولًا عن المعارض الدولية في دار نشر سعودية. درس بكلية السياحة والفنادق، وحصل على دبلومة في التنمية الثقافية من جامعة القاهرة.

صدر له ثلاثة دواوين، الأول بعنوان "أول محاولات المواجهة" عام 2020، وفاز بجائزة الشعر العامية في مسابقة أحمد فؤاد نجم لنفس العام، ثم صدر له ديوان "أشياء بتسقط من جيوب الملل" عام 2023.

وفي الدورة الـ57 لمعرض القاهرة الدولي للكتاب، نشر خيري ديوانه الثالث "دار السلام"، الذي يحمل اسم الحي وصورة كوبري دار السلام على الغلاف، ليأخذ القارئ في رحلة داخل الحي، تعكس علاقته به منذ طفولته.

الشاعر محمد خيري

  • احكي لنا عن نشأتك في دار السلام؟

ولدت في حي دار السلام، وكانت طفولتي مليئة باللعب في شوارعه. وعندما بلغت العاشرة، بدأت العمل بجانب الدراسة، ما منحني فرصة لمشاهدة مجتمعات وأحياء أخرى وتكوين صداقات خارج الحي. بعد انتقال أسرتي للعيش في منطقة عين حلوان لمدة عامين، عدنا إلى منزلنا المطّل على كوبري دار السلام، وشعرت أن هذه العودة غيرت رؤيتي للحي بشكل كبير.

خلال هذه الفترة بدأت أراقب تفاصيل الحياة بين أهالي دار السلام، بالتوازي مع بداياتي في الشعر. ألهمتني شخصيات عديدة، مثل الحرفيين الذين لديهم ورش أسفل المنزل ولا يخرجون غالبًا من الحي، وسائق "الميكروباص"، وصاحب "كارتة" الموقف، فكل هذه الشخصيات جعلتني أرى حي دار السلام بخصوصية مختلفة عن باقي الأحياء التي تصنَّف عشوائية أو شعبية بالقاهرة.

  •  كيف أثرت نشأتك داخل الحي في شخصيتك؟

أظن أن نشأتي في دار السلام جعلتني أكثر تقبلًا للآخر باختلافاته، وشحنتني بطاقة إبداعية عبرت عنها في الشعر. لو كنت قد ولدت في حي راقٍ بالقاهرة، كما يُطلق عليه، ربما كنت سأصبح شخصًا مختلفًا، بلا حب للشعر أو الاهتمام بالأفكار الإبداعية التي شكّلت جزءًا من هويتي.

  • كيف اكتشفت حبك للشعر؟

عملت مع والدي في صناعة الجلود، كما عملت في جمع أجرة الميكروباص وكسائق ميكروباص خلال فترة مراهقتي، وهذه المرحلة شكّلت جزءًا من هويتي. في ذلك الوقت لم أكن قارئًا أو محبًا للكتابة، لكن خلال الجامعة بدأت أتابع برامج اكتشاف المواهب وعددًا من الشعراء الذين ألهموني.

بدأت بتقليد أسلوبهم في الكتابة، واكتشفت عالم القراءة، حتى وجدت صوتي الخاص وطريقتي في الكتابة. بعد سنوات من حب الشعر وتجربته، نشرت أول ديوان لي عام 2020. بالتوازي، بدأت العمل في معرض الكتاب ودور النشر، حيث بدأ مساري المهني في عالم النشر.

  • لماذا قررت الكتابة عن حي دار السلام في ديوانك الأخير؟

بدأت الفكرة من رغبتي في كتابة ديواني الثالث وطرحه في معرض الكتاب 2026، ثم كتبت بشكل عفوي جملًا بسيطة عن الحي. ومن تلك اللحظة قررت أن يحاكي الديوان تفاصيل دار السلام في قصائده، شعورًا بالامتنان تجاه المنطقة ورغبة في توثيق وسرد قصصها. دومًا كنت أفكر: لو انتقلت للعيش في أفضل حي بالقاهرة وأفضل عقار، ماذا بعد؟ هل ستكون السعادة أبدية؟.

لقد أدركت أن سعادتي الحقيقية مرتبطة بهوايتي وارتباطها بالحي. هذه النظرة تعززت عندما كنت على وشك الانتقال إلى حي آخر بسبب اقتراب موعد زواجي، وفوجئت بشعوري بالحزن الشديد على فكرة مغادرة دار السلام.

  • ما الذي يحاكيه الحي في ديوانك؟

الديوان يوثق تاريخ دار السلام منذ أن كانت بساتين وغيطانًا، قبل البناء العشوائي، حين كان يطلق عليها "دار الطين"، مرورًا بعلاقة محطة المترو بالحي. هذه التفاصيل لم تُوثق من قبل لأنها تنتقل شفهيًا من الجيل الأول الذي بنى الحي إلى الجيل الحديث.

يقسم الديوان إلى ثلاثة أجزاء: المكان، واللغة، والزمن. ومن خلال هذه الفصول أناقش مواضيع مختلفة، منها الحياة في دار السلام والقاهرة، وحبي للغة، بالإضافة إلى القضية الفلسطينية.

  • لماذا اخترت كوبري دار السلام و"الميكروباص" كغلاف للديوان؟

في البداية فكرت في الاستعانة بعدد من الأصدقاء الفنانين لتصميم الغلاف، لكن بعد ذلك قررت استخدام صور التقطتها شخصيًا تعبر عن الحي. واخترت الرموز الأساسية للحي: الكوبري و"الميكروباص"، حيث يشتهر بهما دار السلام. وعمل المصمم على تلوين الصورة وإضافة بعض الرموز مثل الحمام في السماء، الذي يعكس عادة تربية الحمام المنتشرة في الحي.

  • كيف تلقيت ردود فعل أهالي الحي على الديوان؟

تفاجأت بنقل صور الديوان على صفحات ومجموعات الفيسبوك الخاصة بحي دار السلام، وشعرت بالفخر والسعادة لأن أهالي الحي كانوا فخورين بوجود اسم حيهم في معرض الكتاب. وأتمنى أن أشكر كل فرد في الحي على دعمه وتشجيعه.

  • لو كان لديك الحرية في تصوير دار السلام في عمل فني آخر، مثل رواية أو معرض صور، ماذا سيكون محور العمل؟

بالتأكيد أود تصوير دار السلام في أعمال فنية أخرى، لكن محور العمل سيكون تشجيع السكان على القراءة والثقافة. أرى أن التأثير المباشر على حياة الناس أهم من كوني فنانًا عظيمًا يصور الحي في عمل فني مميز. لو كان علي الاختيار بين العظمة الفنية والتأثير الثقافي المباشر، سأختار دومًا التأثير ودعم الحياة الثقافية في الحي.

  • من وجهة نظرك، كيف يمكن أن يدعم الحي والجهات المعنية الفنانين والكتاب في دار السلام؟

للأسف، الحي يفتقر إلى مكتبة عامة وأماكن لشراء الكتب ومراكز ثقافية، رغم كثافته السكانية التي تجعل الحاجة إلى حياة ثقافية أكثر إلحاحًا. أرى أن دعم الحي يمكن أن يكون عبر توفير مكتبة عامة ومركز لدورات تدريبية مدعمة من وزارة الثقافة، وهو ما سيكون له أثر كبير في رفع مستوى الوعي الثقافي والفني بين السكان.

  •  ما الذي تتمناه في المستقبل بعد رحلتك مع النشر والشعر وداخل حي دار السلام؟

أرغب في الاستمرار في الكتابة الإبداعية بشكل عام، وفي الشعر بشكل خاص، مع الانفتاح على تجريب أساليب جديدة، إلى جانب حبي العميق لشعر العامية.