"أوتاكا".. مدرب يعيد الشغف لأشبال كرة القدم (فيديو)

تصوير: مريم أشرف - أوتاكا مع أشبال كرة القدم بدار السلام

كتب/ت مريم أشرف
2026-06-04 20:15:00

مع انطلاق صافرة البداية، يتغير شكل الملعب الخماسي، وتبدأ مباراة حماسية بين 22 لاعبًا لا تتجاوز أعمارهم 15 عامًا، بينما يتابعهم المدرب محمد عصام، الشهير بـ"أوتاكا"، من خارج الخطوط، يطلق صافرة أخرى ويوجه اللاعبين بتعليمات مستمرة، مستلهمًا من بعضهم ملامح نجوم الكرة في المستقبل.

في مساحة لا تتجاوز 60 مترًا، وسط شارع الفيوم في دار السلام، يحيط بها عدد من المنازل، تتحول الأرضية البسيطة إلى ملعب ينبض بالحياة تحت إشراف "أوتاكا"، 32 عامًا، والذي يعمل مدربًا لكرة القدم للأطفال من سن 6 إلى 15 عامًا مؤمنًا بأهمية كرة القدم في الأحياء الشعبية، عبر حلمه الذي بدأه منذ 4 سنوات لصناعة جيل جديد من المواهب.

أوتاكا مع أشبال كرة القدم بدار السلام

نشأ أوتاكا في حي دار السلام، الذي يفتقر إلى ملاعب مجهزة لممارسة كرة القدم، وهو ما دفعه إلى تأسيس أكاديمية صغيرة لتدريب الأطفال على اللعبة داخل الحي. ويشرف حاليًا على تدريب أكثر من 100 طفل من أبناء المنطقة، مقابل اشتراك رمزي لا يتجاوز 100 جنيه، في محاولة لإتاحة الفرصة أمام أكبر عدد من الأطفال لممارسة اللعبة وتطوير مهاراتهم.

بداية الرحلة مع الأجيال الجديدة 

بدأ "أوتاكا"، مسيرته في تدريب كرة القدم عام 2022 داخل ملاعب الحي ومركز شباب دار السلام، في ظل تحديات مرتبطة بنقص الأنشطة الرياضية وضعف الإمكانيات المخصصة للعبة: "جاءت لي الفكرة من غياب الملاعب المهيأة في الحي، سواء مجانية أو بمقابل رمزي، حيث كانت المساحات المفتوحة وملاعب الكرة أكثر انتشارًا في سنوات طفولتي وشبابي أما الآن الوضع تغير مع التوسع العمراني".

ويقول أوتاكا إن ارتباطه بكرة القدم لم يكن مجرد ممارسة عابرة، بل رغبة في نقل شغفه وخبرته إلى الأجيال الجديدة، خاصة بعد محاولات استمرت لسنوات من أجل الاحتراف في الأندية المصرية دون أن تكلل بالنجاح، مدفوعًا بعشقه لأسطورة نادي الزمالك السابق اللاعب محمود عبدالرازق شيكابالا.

أوتاكا مع أشبال كرة القدم بدار السلام

ويضيف: "هذه التجربة دفعتني إلى تأسيس مشروع تدريبي يقوم على ثلاث ركائز أساسية: حب كرة القدم، تدريب الأطفال في منطقة تعاني من ضعف الإمكانيات الرياضية، ونقل الخبرات إلى جيل جديد من اللاعبين".

ويشير أوتاكا إلى واقع مراكز الشباب في منطقته: "أغلب الأحياء لديها مركز شباب يضم فريقًا يحمل اسم الحي، لكن مركز شباب دار السلام تحول إلى ملاعب خاصة تُؤجر بالساعة، وهو ما يُعد ظلمًا لكثير من الشباب والأطفال المقيمين هنا، من حقهم ممارسة الرياضة والانضمام إلى فرق منظمة".

رابطة شباب الحي

يبدأ يوم أوتاكا الساعة 12 ظهرًا، فيجمع فريقه ويحرص على اللعب معهم لمدة ساعة تقريبًا بعد انتهاء أعمالهم اليومية. ويجمعهم عبر مجموعة على "واتساب" تُخصص لترتيب مواعيد اللعب أسبوعيًا، في إطار علاقة قائمة على حب كرة القدم رغم ضغوط الحياة والتزاماتها.

ويقول أوتاكا عن هذه المجموعة: "بنقعد نرتب مواعيدنا على الواتساب، ونجتمع مرة في الأسبوع نلعب سوا.. الفكرة كلها إننا نحافظ على حب الكورة حتى وسط الشغل والمسؤوليات".

أوتاكا مع أشبال كرة القدم بدار السلام

وبفضل هذه الحالة من الترابط التي نشأت بشكل غير مخطط، بادر أوتاكا خلال شهر رمضان الماضي إلى تنظيم دورة رمضانية لأول مرة بين فرق الحي، بجائزة مالية بلغت 10 آلاف جنيه للفريق الفائز، تحمل تكلفتها كاملة على نفقته الشخصية، بهدف تشجيع الشباب على ممارسة كرة القدم، وإحياء أجواء الدورات الرمضانية التي اختفت من الحي.

ويقول أوتاكا: "كنت عايز أرجّع روح الدورات الرمضانية تاني للمنطقة، لأنها كانت بتجمع الناس وبتخلي فيه حب حقيقي لكرة القدم وسط الشباب".

"بتحبوا ميسي".. تشجيع داخل الملعب

خلال تمارين الإحماء، لا يقتصر دور "أوتاكا" على التوجيه الفني فقط، بل يمتد إلى بناء وعي لاعبيه الصغار، سواء داخل الملعب أو خارجه. وبينما يتحرك اللاعبون بأقدامهم في الملعب، يفتح معهم نقاشًا مختلفًا كل يوم، يتناول فيه موضوعات مثل التغذية وأسلوب الحياة الرياضي: "لكم بتحبوا ميسي صح؟ هل ميسي بيصحى من النوم ياكل أكل من الشارع أو أكل كله مواد حافظة؟ علشان تكون لاعب مهم في المستقبل لازم تفطر فطار صحي يساعدك تبني جسمك صح".

ويحرص على تكرار هذا النوع من الرسائل خلال فترات الإحماء، بهدف خلق مساحة للحوار مع الأطفال، وترسيخ مفاهيم الانضباط الغذائي والرياضي لديهم.

ويؤكد أوتاكا أن علاقته بلاعبيه تتجاوز حدود التدريب التقليدي، موضحًا: "علاقتي بيهم مش علاقة مدرب خلال ساعتين التدريب بس.. أنا حابب أكون بالنسبة لهم مُرشد وموجّه، لأني بشوف إن مدرب كرة القدم لازم تكون علاقته قوية بالمتدربين".

ويضيف أن هذا الأسلوب جزء من رؤيته الأوسع، التي تقوم على اعتبار التدريب مشروعًا متكاملًا لبناء أجيال جديدة محبة لكرة القدم، وقادرة على تطوير نفسها داخل وخارج الملعب.

يظل اسم "أوتاكا" مرتبطًا بكرة القدم داخل الحي، وتوطدت علاقته بالشباب الهواة، وازدادت ساعات اللعب والتجمعات الرياضية، وهو ما يصفه بأنه مصدر سعادته وشعوره بالانتماء، معتبرًا هؤلاء الشباب أقرب إلى أصدقائه أو "إخوته" كما يصفهم، يجمعهم شغف واحد بكرة القدم.