خطيئة لا تنام

تصميم| محمد صلاح

كتب/ت يارا سليمان
2026-10-10 10:35:00

بعيدًا عن ضجيج العالم الرقمي، وخلف جبال لم تقترب منها يد التطوير، تقع قرية "الذهول الأبدي"، كانت مجرد أسطورة يتداولها المسافرون عن بشر يملكون أعينًا لا تغمض، جاحظة وكأنها ترى القيامة في عز الظهر.

لكن بالنسبة إلى "بدران"، لم تكن الأسطورة تكفي، فالفضول لديه كان بوصلة لا تهدأ. حزم أمتعته وانطلق في رحلة نحو المجهول، مدفوعًا برغبة في فك شفرة تلك الوجوه المذهولة.

عندما وصل بدران، صُدم بجمال القرية. لم يجد خرائب أو وحوشًا، بل وجد جنة أرضية. كانت القرية تغرق في خضرة ناضجة تملؤها الحياة، والشوارع تفوح منها رائحة "الأرض المبللة"؛ ذلك المزيج الساحر بين الطين وعطر العصر الدافئ. لكن السكون هناك كان له ثقل؛ صمت مهيب يغلف كل شيء.

تجول بدران في الطرقات، فرأى أهلها؛ وجوههم تشع بنور غريب وسكينة قديمة، لكنها كانت وجوهًا ذابلة، كأوراق خريف جففها البكاء الطويل. لفت انتباهه مشهد تكرر مع الصغير والكبير:

فجأة، وبينما يمشي أحدهم في أمان الله، يتصلب جسده، وتتسع حدقتا عينيه بجحوظ مرعب نحو "اللاشيء". لا ينظرون إلى بدران، ولا إلى العابرين، بل ينظرون بذهول خلف أفق لا يراه غيرهم، وكأن شريطًا من الرعب يُعرض أمام أعينهم دون سابق إنذار.

قطع هذا المشهد الغامض صوت أذان العصر. كان صوتًا هادئًا، عذبًا، يتسلل إلى الروح ويجبرها على الخشوع. توجه بدران إلى المسجد الكبير، وهناك بلغت الحيرة قمتها؛ فالمصلون في الصفوف كانوا في حالة من الرعب، عيونهم الجاحظة تفيض بالدموع، وهم يحدقون في موضع السجود بصدمة من يرى نيرانًا تلتهم حصاده.

ما إن كبّر الإمام، حتى انحلت عقدة الصمت. سمع بدران نحيبًا مكتومًا تحول إلى شهقات تمزق الصدور. لم يكن بكاء عبادة عاديًا، بل كان "عويلًا داخليًا" لشخص يشاهد أعز ما يملك يسقط في الهاوية، ولا يملك يدًا لإنقاذه.

بعد الصلاة، التفت بدران يمينًا ويسارًا، فوجد الوجوه غارقة في الدموع، والشفاه ترتجف بطلبات عفو مستحيلة.

في زاوية بعيدة، جلس شاب ذو ملامح هادئة يرتل القرآن بصوت مليء بالحزن والتدبر. اقترب منه بدران، وهمس بصوت يملؤه الارتباك:

"يا أخي، أنشدك الله أن تخبرني.. ما بال هذه القرية؟ ما هذا الحزن الذي يأكل ملامحكم؟ ولماذا تبدو أعينكم وكأنها رأت الموت ولم تمت؟"

رفع الشاب رأسه، وكان جحوظ عينيه كفيلًا بأن يحبس أنفاس بدران، ثم قال بكلمات ثقيلة كالجبال:

"نحن يا غريب.. أصحاب الخطيئة التي لا تنام"، ساد صمت قاتل، قبل أن يكمل الشاب:

"لقد فعلنا ذنوبًا ظننا أنها انتهت بمجرد أن تركناها.. لكننا اكتشفنا أنها ذنوب جارية. زرعنا شرًا وشغلنا به الناس، ورحلنا نحن، وظل الشر ينمو وينتشر كالنار في الهشيم. جحوظ أعيننا ليس مرضًا، بل هو إدراكنا المستمر بأن ذنبنا لا يزال يُرتكب الآن، وفي هذه اللحظة. نحن مخلدون في رؤية عذابنا قبل أوانه".

وهنا أدرك بدران الحقيقة البشعة: أن التوبة ليست دائمًا مجرد كلمة تُقال أو دمعة تُسكب، بل هي صراع مرير ضد آثار لم يعد يملك صاحبها القدرة على محوها.

أدرك أن هؤلاء القوم ليسوا مجانين، بل هم أكثر أهل الأرض وعيًا؛ لأنهم يبصرون بحدقاتهم الجاحظة "كرة الثلج" التي ألقوها في منحدر الدنيا، وهي الآن تحطم قلوب الناس بعيدًا عنهم، وتزيد من رصيد آثامهم وهم أحياء.

غادر بدران المدينة وهو يغلق عينيه بشدة، يضغط على جفنيه بقوة، ليس هربًا من بشاعة وجوههم، بل خوفًا من أن يرى في ظلمة عينيه أثرًا لخطأ قديم ارتكبه هو الآخر، وما زال ينتشر في هدوء في الدنيا.. ذنبًا ظن أنه مات، لكنه لا يزال يتنفس.