في أحد مقاهي القرية، يجلس مصطفى، الرجل الأربعيني، كل يوم في المكان نفسه، وبينما كان يحتسي كوبًا من الشاي، لفت انتباهه حديث مجموعة من الشباب، تتراوح أعمارهم بين 18 و20 عامًا، عن ضيق الأحوال ورغبتهم في الهجرة إلى إحدى الدول الأوروبية.
ظل مصطفى يستمع إليهم في صمت، ثم نظر إلى ذراعيه المبتورتين، قبل أن يقترب منهم قائلًا: "تحبوا تسمعوا حكاية؟". تبادل الشباب نظرات الاستغراب، لكنهم وافقوا.
بدأ مصطفى يسرد قصته، التي تعود إلى أكثر من عشرين عامًا، حين كان طالبًا بجامعة المنصورة، ويقيم في المدينة الجامعية مع صديقيه حسين، 20 عامًا، وسيد، 19 عامًا، وجميعهم من قرية أبو زيد التابعة لمركز أجا بمحافظة الدقهلية.
يقول مصطفى: "في يوم اقترح سيد أن نسافر إلى إيطاليا بطريقة غير شرعية. قلت لهما إنني أعرف وسيطًا في منطقتنا، فتواصلت معه، وحدد لنا موعدًا في منتصف الليل".
بعد ساعات، التقى الثلاثة بالوسيط، الذي طلب منهم ركوب سيارة انطلقت بهم في رحلة طويلة، تنقلوا خلالها بين أكثر من وسيلة نقل، حتى وصلوا إلى منطقة صحراوية قرب الحدود الليبية. وهناك ساروا عدة أيام في الصحراء، قبل أن يصلوا إلى مخزن معدني كبير، أدخلهم إليه الوسيط، وطلب منهم البقاء في هدوء حتى الفجر.
يقول مصطفى: "كنا نظن أننا وحدنا، لكن عندما أضاء أحد الشباب هاتفه المحمول، اكتشفنا أن المكان يضم أعدادًا كبيرة من المهاجرين، جميعهم ينتظرون الرحلة نفسها".
مع بزوغ الفجر، نُقل الجميع إلى شاطئ البحر، حيث كانت تنتظرهم عدة مراكب صغيرة امتلأت بأعداد تفوق طاقتها الاستيعابية. وزع الوسطاء على كل شخص زجاجة مياه صغيرة وبعض قطع البسكويت، ثم انطلقت المراكب في عرض البحر.
ويضيف: "بعد فترة، سمعنا تحذيرات من خفر السواحل بالعودة، لكن الوسطاء واصلوا الإبحار. وبعدها بدأ إطلاق النار، فسقط بيننا قتلى ومصابون، بينما نجا آخرون".
يصمت مصطفى للحظات، ثم يكمل: "كان أصعب ما رأيته أنهم ألقوا أحد القتلى في البحر، وكأن حياته لم تكن تعني لهم شيئًا".
استمرت الرحلة عدة أيام في عرض البحر، حتى وصل المركب إلى نقطة بعيدة عن الشاطئ. وهناك أجبر الوسطاء المهاجرين على النزول إلى المياه والسباحة لمسافة طويلة للوصول إلى اليابسة، بينما ساعد بعضهم المصابين ومن لا يجيدون السباحة.
وعند وصولهم إلى الشاطئ، كانت الشرطة الإيطالية في انتظارهم. وتمكن سيد وحده من الإفلات، بينما ألقي القبض على مصطفى وبقية المجموعة، قبل ترحيلهم إلى مصر.
ويختتم مصطفى حديثه، وهو ينظر إلى ذراعيه المبتورتين: "عدت إلى بلدي، لكنني لم أعد الشخص نفسه. فقدت ذراعي في تلك الرحلة، وعرفت متأخرًا أن الهجرة غير الشرعية قد تسلب الإنسان أكثر بكثير مما تمنحه".
ساد الصمت بين الشباب، ولم يعد أحد منهم يتحدث عن الهجرة بالطريقة نفسها التي بدأ بها الحديث.