استيقظت مبكرًا كعادتي، خرجت من الخيمة لأنظر حولي فأجد الكثير من الخيام المتزاحمة، والناس يخرجون منها لنحصل على الحصة الصباحية من المأكل والمشرب، نظرت إلى الجهة الأخرى، فوجدت مباني ضخمة مهدمة وبيوتًا محترقة، ولكن الأمر لم يكن هكذا دائمًا.
مرحبًا، اسمي ليان.. ولدت في بداية الألفينات، وكانت نشأتي هادئة بين أخ أكبر مني بسنتين فقط، وأب طيب لا يحب المشكلات وأم حنونة.
كانت هناك حياة قبل الحرب التي اندلعت بيننا وبين جيش الاحتلال، رغم الهجمات من وقت لآخر، مثل ما حدث في عام 2014 التي استمرت حوالي خمسين يومًا، وكان النصيب الأكبر من الألم في غزة.
بعدها، كان الأمر يبدو طبيعيًا حتى حرب عام 2021، التي بدأت بسبب الأحداث في الأقصى؛ حيث بدأت حماس بإرسال صاروخ، ثم رد عليها العدو بقصف، ومن هنا كانت البداية لحرب عام 2023.
تلك الحرب التي بدأت قبل ثلاث سنوات واستمرت حتى الآن، خسرنا فيها كل شيء؛ كنا ومن نحن حولنا نرسل الصواريخ لتهدم البيوت فوق رؤوس ساكنيها، ويدفن تحت الأنقاض النساء والأطفال، وصواريخ أخرى كانت تحرق كل شيء، حتى البشر يتحولون إلى قطع من الفحم.
الكثير هاجروا إلى بلدان أخرى، ولكنني وأسرتي لم نكن نملك المال الكافي حتى نغادر ونترك كل هذا.
شهد الزمان أنها كانت أصعب أيام مرّت بي في حياتي؛ تمنيت لو أنني لم أولد، أو أن يكون هذا كله كابوسًا في منامي، لكن الواقع كان مراً، فبينما كنا يومًا في منزلنا نجهز للعشاء، فإذا بصاروخ يسقط على البناية، وفي لحظة واحدة أصبحنا تحت الأنقاض. استطاع أبي وأمي وأخي أن ينجوا بصعوبة، وكانوا جميعاً مصابين.
أما أنا، فقد احتجزت داخل الأنقاض في حالة إغماء، ولكن أخي لم يستسلم، وفعل المستحيل لإنقاذي، وبالفعل عثر علي في الوقت المناسب؛ كنت على وشك الموت اختناقاً، ولم أستطع التنفس.
كان هناك ضحايا آخرون؛ منهم الممزقون، ومنهم من بترت أطرافهم. وحين استرددت وعيي، علمت أن جارتنا في البناية الأخرى قُتل طفلها ذو الثلاث سنوات بطريقة مروعة، لدرجة أنني قضيت أيامًا في حالة نفسية سيئة بسبب ما رأيت.
اضطررنا للعيش في خيمة، حتى جاء يوم هجم فيه علينا وعلى من حولنا جنود العدو، يعبثون بكل شيء داخل خيمتنا. وقعت عين أحدهم عليَّ، ولم يفكر لثوان حتى هجم كالذئب الغادر ليعتدي علي. انتفض أخي ليدافع عني وضربه حتى أزاحه عني، ولكن هذا أغضب الجندي؛ فأطلق على أخي ثلاث رصاصات.
وقع أخي وسط صرخات أمي، ولم يكتفوا بذلك، بل انهالوا عليَّ وعلى أمي وأبي ضربًا، كان أبي رجلًا خمسينيًا فأخذ أسيرًا.
أمي لم تستطع العيش بعدها، ماتت حسرة على ما حدث لنا، أما أنا، فقد تحطمت نفسيًا؛ أخذت فترة طويلة لا أتحدث ولا أذوق الطعام. لم أبق في الخيمة وحدي، بل أخذني رجل مسن للعيش معه هو وزوجته في خيمتهما، كنت كل ليلة أنزف وجعًا؛ فبينما الفتيات في البلدان الأخرى يتعلمن ويمرحنّ وينعمن بأمان، أنا هنا كل همي أن أجد لقمة صغيرة أسد بها جوعي.
أصبحت الأيام متشابهة؛ بين قصف وحرق وشهداء وأطفال بلا أهل وسيدات بلا رجال، وطوابير الصباح للحصول على القليل من الماء، وهناك من اضطر لاستخدام الماء الملوث.. هذا هو حالنا.