بطل بلا عباءة

تصميم| محمد صلاح

كتب/ت إسراء عبد المنعم
2026-03-28 13:00:00

في أحد الشوارع الضيقة بالحي داخل المدينةِ المزدحمة، تتشابك الشوارع كأوردة قلبٍ مُتعَب، حيث كانت تعيش "لينا"، طفلةٌ في السابعة من عمرها.

تحب القصص عن الأبطال، خاصةً أولئك الذين يطيرون في السماء، بعباءاتٍ حمراء، ترفرف، كأجنحةِ العُقاب.

كلّ ليلة، قبل النوم، تطلب "لينا" من أمها أن تحكي لها عن "سوبرمان" و"باتمان"، وتتخيل نفسها واحدةً منهم، تُنقذ العالم بقبضةٍ حديدية.

لكنّ الحياة في ذلك الحي لم تكن قصةً مصوّرة، كانت مليئةً بصخب السيارات، ورائحة الخبز الطازج من الفرن القديم، وأحيانًا، أصواتِ خلافاتٍ تتصاعد في الظلام.

كان الضابط "أحمد" يعمل في مركز الشرطة المجاور، لم يكن شابًّا وسيمًا كأبطال الأفلام، ولا يمتلك عضلاتٍ منحوتة، أو سيارةً سريعة.

كان رجلًا في الأربعينيات، ذا لحيةٍ خفيفةٍ مشوبةٍ بشيب. ما أطول الليالي التي مرّت عليه على مدار سنوات. توفيّت زوجته قبل خمس سنوات، تاركةً له ابنًا يدرس في مدينةٍ أخرى، أصبح عملُه ملاذَه الوحيد. 

ذات مساءٍ مُمطر، كانت "لينا" تلعب مع دُميتها القديمة أمام باب البيت الطيني. كانت الأم بالداخل تُعدّ العشاء، وتغني أغنيةً قديمةً لتخفّف من وطأة تعب يومٍ شاقّ في المصنع الذي تعمل فيه.

 فجأة، انزلقت قدم "لينا" على الأرض الرطبة، فسقطت في مجرى مائيٍّ صغير بجانب الشارع، حيث كانت المياه الداكنة تجري بسرعة نحو ماسورة صرف كبيرة مخفيّة جزئيًا تحت كومة قمامة. 

صاحت "لينا" مذعورة: "ماما! ماما!"، لكنّ صوتها غرق وسط صوت المطر والسيارات البعيدة، المجرى كان عميقًا بما يكفي ليبتلع طفلةً صغيرة، والمياه كانت باردةً كالثلج تسحبها بقوةٍ لا ترحم.

في تلك اللحظة، مرّ الضابط "أحمد" على درّاجته النارية القديمة، عائدًا من نوبته الطويلة، سمع الصرخة الخافتة، توقّف فورًا، ورمى بالخوذة جانبًا، لم يتردد.. اندفع نحو الحافة، يرى الفتاة الصغيرة تتشبّث بقضيبٍ حديديّ صدِئ ووجهها شاحبٌ من الرّعب.

"تمسّكي يا ابنتي! أنا قادم!" صاح "أحمد" بصوتٍ هادئ لكنّه حازم، كأبٍ يطمئن طفلته. الشارع كان خاليًا تقريبًا، لا أحد يلاحظ، لا كاميرات تلفزيونية، لا تصفيق. 

انزلق جزئيًا في الوحل، لكنه مدّ يده اليمنى وأمسك بمعصمها الصغير، كانت يده مبتلّة والمياه تسحب الطفلة بقوة، لكنه لم يفكر في نفسه. 

في تلك اللحظة، تذكر ابنه الصغير، عندما كان يُطمئنه من الكوابيس بجهدٍ هائل، جذبها نحو الأعلى، يلهث وهو يصارع الجاذبية والماء الغزير.

أخرجها أخيرًا، وحملها بين ذراعيه كطفلة رضيعة، مغطى بالوحل من رأسه إلى أخمص قدميه. كانت "لينا" تبكي في حضنه، وترتجف من البرد، والخوف.

حَمَلها إلى البيت، ودقّ على بابه بقوة. فتحت الأم الباب مذعورة. صرخت عندما رأت "لينا": "يا إلهي! لينا!"، وانهمرت دموعها. انتبهت بعد لحظاتٍ فوجّهت نظرها إليه وقالت بامتنان: "كم أشكرك!" 

لم يقل أحمد الكثير، مسح الوحل عن وجهه وقال بابتسامةٍ متواضعةٍ: "هي بخير الآن، فقط احرصي عليها في المطر المقبل".

ثم أعطى "لينا" قطعة حلوى من جيبه، فابتسمت الصغيرة ابتسامةً عريضة، وسألته ببراءة: "هل أنت بطل خارق؟". ثم أمعنت النظر فيه وقالت لكن أين عباءتك؟!".

نظر إليها الرجل بعينين دافئتين وقال: "تعرفين يا صغيرة، الأبطال الحقيقيون لا يحتاجون عباءةً ولا طيرانًا. هم الذين يكونون موجودين في الوقت الذي تحتاجينهم فيه، بزيٍّ عاديّ، وقلبٍ كبير".

في الأيام التالية، لم يحصل "أحمد" على وسام، ولا ضمّ اسمَه عنوانٌ في جريدة، عاد إلى عمله اليومي، يساعد عجوزًا في عبور الشارع أو يحلّ خلافًا بين جيران. 

أما "لينا"، فقد تغيرت.. لم تعد تطلب قصص الأبطال الخارقين، بدأت ترى بطلها الحقيقي في الرجال والنساء الذين\ اللاتي يمكن أن تقابلهم\هن في الحياة اليومية.

مرّت شهور، وأصبحت "لينا" تروي لأصدقائها قصتها، تقول: "بطلي لم يكن يرتدي عباءة، لكنّ يده كانت أقوى من سوبرمان".

في ليلةٍ هادئة، جلست الأم مع ابنتها على السرير، تحت ضوء المصباح الخافت، سألت "لينا" عن الأبطال مرةً أخرى، ابتسمت الأم، ضمّت ابنتها إلى صدرها، وقالت: "يا حبيبتي، كما تعلّمتِ، البطل لا يحتاج عباءة ولا قدراتٍ خارقة... البطل هو الذي يمدّ يده لكِ عندما تسقطين وينقذك بكل حنان".