"في كل موسم عيد أضحى كنت ببيع ما بين 150 و200 جمل، وكان دخل الموسم يكفيني أنا وأسرتي طوال العام، لكن الوضع اختلف تمامًا بعد الحرب في السودان؛ دلوقتي بالكاد ببيع نحو 20 جمل في الأسبوع، واضطريت أخفّض مصاريفي بشكل كبير علشان أقدر أستمر".
بهذه الكلمات، وصف خالد حسين، أحد تجار الجمال بمدينة دراو في محافظة أسوان، حجم الخسائر التي لحقت بتجار الإبل بعد التراجع الحاد في أعداد الجمال الواردة من السودان هذا العام، نتيجة استمرار الحرب هناك وتأثيرها المباشر على حركة التجارة.

توسع مناطق النزاع
بحسب عدد من التجار، كان السوق يستقبل أسبوعيًا ما بين 3 آلاف إلى 4 آلاف جمل، بينما كانت الأعداد ترتفع خلال مواسم مثل عيد الأضحى لتصل إلى نحو 5 آلاف رأس، أما الآن، فلم تعد الأعداد تتجاوز 400 جمل في أفضل الأسابيع، وقد تنخفض أحيانًا إلى نحو 100 فقط.
ووفقًا لهم فإن الأثر ظهر هذا العام نتيجة اتساع رقعة النزاعات إلى مناطق إنتاج الماشية الرئيسية في السودان مما كان له أثر مباشر على حركة الإمدادات بعد نحو ثلاث سنوات من اندلاع حرب السودان.
يؤكد ياسر دياب، مسؤول نقل الجمال بين السودان ومصر في المحجر البيطري بأبو سمبل، أن هناك مسارات محددة لنقل الإبل من السودان مثل كردفان ونيالا والأبيض وصلف عمرة والحُمرة، إلا أن أغلب هذه المناطق أصبحت ضمن نطاقات متأثرة بشكل مباشر بالعمليات العسكرية، ما جعل عمليات خروج الشحنات أكثر تعقيدًا وخطورة.

ويضيف لـ"عين الأسواني" أن نقل الإبل من تلك المناطق بات يتطلب قدرات وإمكانيات كبيرة، حيث إن هذا الواقع أدى إلى احتجاز آلاف الرؤوس داخل مناطق الإنتاج في السودان، دون القدرة على نقلها إلى الأسواق أو موانئ التصدير، ما تسبب في ظهور الأزمة حاليًا.
- تشير بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء لعام 2024 إلى أن إجمالي أعداد الإبل في مصر بلغ نحو 189,995 رأسًا، تستحوذ محافظة أسوان وحدها على نحو 29,790 رأسًا منها.
بينما يؤكد حسين، تاجر الجمال، أن الجمال كانت تصل إلى مصر عبر الطريق البري الممتد من السودان مرورًا بالصحراء الغربية، ثم من خلال معبر أرقين إلى مدينة أبو سمبل، حيث تتولى جهات مختصة إجراءات الفحص داخل المحجر البيطري والجمارك، مبينًا أن الحرب تسببت في تعطيل حركة القوافل التجارية بشكل كبير، بسبب فرض مبالغ مالية ضخمة من الجانب السوداني على شحنات الجمال مقابل السماح بمروره.
- الإبل من أهم الثروات الحيوانية في المناطق الجافة وشبه الجافة بالقارة الإفريقية، لا سيما في السودان ودول القرن الإفريقي. ولا تقتصر أهميتها على إنتاج اللحوم والألبان، بل تمثل موردًا اقتصاديًا رئيسيًا تعتمد عليه ملايين الأسر في توفير الدخل والغذاء.
يؤكد الدكتور مصطفى خليل، مستشار مشروعات الإنتاج الحيواني، أن الحرب في السودان وعدم الاستقرار هناك تسببا في تراجع واردات الجمال إلى مصر بشكل ملحوظ، ما أدى إلى انخفاض المعروض وارتفاع أسعار لحوم الجمال، بعدما كانت تُعد الأقل سعرًا بين اللحوم الحمراء.
ارتفاع الأسعار
وتعكس أرقام السوق هذا التراجع بوضوح، إذ يقول خالد حسين، تاجر الجمال، أن الأعداد تراجعت حاليًا بنسبة تتراوح بين 60% و70%، ليصبح متوسط الاستلام الأسبوعي نحو ألف إلى 1200 جمل فقط في أفضل الأحوال، وقد ينخفض أحيانًا إلى نحو 60 جملًا.
وأضاف أن موسم عيد الأضحى كان يمثل مصدر دخل أساسيًا بالنسبة له، إذ كان يبيع ما بين 150 إلى 200 جمل خلال الموسم، إلا أن حجم المبيعات تراجع حاليًا إلى نحو 20 جملًا فقط أسبوعيًا، ما تسبب في انخفاض أرباحه بشكل كبير وأثر على مستوى معيشته.
ويكشف أحمد صفوت، مدير عام الغرفة التجارية بأسوان، أن حركة واردات الإبل القادمة من السودان شهدت تغيرات ملحوظة خلال الأعوام الثلاثة الأخيرة، موضحًا أن أعداد الإبل الواردة عبر منفذ قسطل – أرقين بلغت نحو 24 ألف رأس خلال عام 2023، قبل أن ترتفع بشكل كبير إلى 60 ألف رأس في 2024، ثم تعاود التراجع إلى 45 ألف رأس خلال 2025، بما يعكس حالة من التذبذب بعد الزيادة الكبيرة التي شهدها المنفذ.
ويشير صفوت إلى أن حركة الإبل عبر منفذ حلايب وشلاتين اتسمت بدرجة أكبر من الاستقرار والنمو التدريجي، إذ سجلت نحو 9 آلاف رأس في 2023، ثم ارتفعت إلى 15 ألف رأس في 2024، وصولًا إلى 19 ألف رأس خلال 2025.
جانب آخر للأزمة، يكشفه الدكتور مصطفى خليل، مستشار مشروعات الإنتاج الحيواني، وهو أن الإنتاج المحلي من الجمال لا يزال محدودًا ولا يكفي لتغطية احتياجات السوق، رغم تزايد الإقبال على لحوم الجمال في عدد من المحافظات، خاصة في الصعيد والمناطق الشعبية وبعض المدن الكبرى.
ويوضح أن تربية الجمال تتركز في مناطق مثل مطروح وسيناء والوادي الجديد وبعض محافظات الصعيد والبحر الأحمر، إلا أن حجم الإنتاج المحلي يظل محدودًا، ما جعل الاستيراد من السودان يمثل المصدر الرئيسي للحوم الجمال في مصر على مدار سنوات طويلة.
يمتد أثر هذا التراجع إلى المواطنين الذين اعتادوا على شراء لحوم الجمال أو التضحية بها خلال عيد الأضحى منهم جمال أحمد، 63 عامًا، من مركز كوم أمبو، الذي اعتاد منذ سنوات على شراء جمل للأضحية، باعتبارها عادة ورثها عن والده، إلا أنه لم يتمكن حتى الآن من شراء جمل هذا العام، بسبب تراجع أعداد الجمال المعروضة داخل الأسواق، موضحًا أن أغلب الجمال المتاحة يتم حجزها مسبقًا قبل وصولها إلى السوق.
ويضيف أنه تواصل مع عدد من التجار من أجل توفير جمل مناسب، لكنه فوجئ بارتفاع الأسعار بشكل كبير مقارنة بالعام الماضي، إذ كان قد اشترى الأضحية بنحو 90 ألف جنيه، بينما وصل سعر الجمل هذا العام إلى نحو 120 ألف جنيه في حالة الشراء الفوري.
نفس الأثر يشعر به حمزة محمود، تاجر جمال من مدينة دراو، الذي يؤكد أن حجم مبيعاته كان يصل في السابق إلى نحو 100 جمل أسبوعيًا، إلا أنه انخفض حاليًا إلى قرابة 10 جمال فقط.
ويشير إلى أن أسعار الجمال شهدت ارتفاعات كبيرة خلال السنوات الأخيرة نتيجة الحرب وتقلبات أسعار الصرف، موضحًا أن سعر الجمل كان يتراوح قبل ثلاث سنوات بين 35 و40 ألف جنيه، بينما يتراوح حاليًا بين 100 و120 ألف جنيه، خاصة الجمال "المعلوفة" التي يزداد الطلب عليها لأغراض الذبح أو استخدامها في موسم حصاد القصب بمحافظات الصعيد.
ويوضح أن أسعار الجمال داخل السودان ارتفعت أيضًا، حيث وصل سعر الرأس الواحدة إلى ما بين 6 و7 مليارات جنيه سوداني، إلى جانب تكاليف النقل والجمارك التي تبلغ نحو 1370 جنيهًا مصريًا للرأس، وهو ما زاد من أعباء التجارة.
كما قفزت تكاليف استيراد الجمال خلال العام 2025، وفق ياسر دياب، مسؤول المحجر البيطري، بسبب زيادة مصروفات الإجراءات والتخليص الجمركي من نحو 5 إلى 6 آلاف جنيه للرأس الواحدة إلى ما يتراوح حاليًا بين 15 و16 ألف جنيه. وأضاف أن هذه الزيادة، إلى جانب تكاليف النقل وآليات البيع بالمزاد، دفعت التجار السودانيين إلى رفع الأسعار لتعويض الخسائر المتزايدة.
وكشف دياب عن تراجع واضح في حجم الإمدادات الأسبوعية، موضحًا أن عدد الجمال الواردة إلى المحجر خلال أسبوع 4 مايو بلغ نحو 1351 رأسًا فقط، مقارنة بما بين 2500 و2600 رأس أسبوعيًا خلال الموسم نفسه من العام الماضي.
وأضاف أنه قبل اندلاع الحرب في السودان قبل نحو ثلاث سنوات، كانت الأعداد تصل إلى نحو 4 آلاف رأس أسبوعيًا، ما يعني أن حجم الإمدادات تراجع فعليًا بنحو 50%.
- بحسب بيانات عام 2025 فإن إجمالي واردات مصر من السودان من الحيوانات الحية بلغ نحو 66,762.30 دولار.
وعن وضع عام 2026 يوضح الدكتور أحمد صفوت، مدير عام الغرفة التجارية بأسوان، أن الانخفاض الملحوظ في أعداد الإبل داخل أسواق أسوان خلال الأشهر الأولى من هذا العام، يرجع إلى عدة أسباب، أبرزها حالة الركود التي تشهدها الأسواق، فضلًا عن تأثر حركة التجارة بالأوضاع الأمنية داخل السودان وصعوبة تأمين بعض الطرق التجارية.
ويشير أن استمرار انتظام حركة الإبل عبر منفذ حلايب وشلاتين يعود إلى وقوعه في الجهة الشرقية المطلة على البحر الأحمر، وهي مناطق بعيدة نسبيًا عن بؤر الصراع داخل السودان، الأمر الذي ساهم في استقرار الحركة التجارية وانتظامها مقارنة بالمنافذ الأخرى.
تأثر المواطنين
وكان سيد عبدالقادر، 54 عامًا، من كوم أمبو، يحرص كل عام على شراء جمل للأضحية، لكن الأوضاع الحالية تختلف بصورة واضحة نتيجة انخفاض المعروض داخل الأسواق. وأوضح أن معظم الجمال يتم حجزها مسبقًا، ولم تعد متاحة بسهولة كما كان يحدث في السنوات الماضية.
ويشير إلى أنه اضطر هذا العام للتواصل مع التجار مسبقًا من أجل الحجز، بدلًا من الشراء المباشر من السوق أو عبر المزادات، لافتًا إلى أن أسعار الجمال شهدت ارتفاعًا ملحوظًا، حيث وصل سعر الجمل إلى نحو 130 ألف جنيه.
لا ينكر حامد موسى الأقنص، رئيس مجلس إدارة الهيئة العامة للخدمات البيطرية، أن واردات الجمال من السودان شهدت تراجعًا كبيرًا وملحوظًا خلال الفترة الأخيرة، متأثرة بتداعيات الحرب الدائرة، موضحًا أن الهيئة تعمل على التعامل مع هذا الوضع من خلال تفعيل عدد من المحاجر الحدودية، من بينها "محجر الجمال" في شلاتين، إلى جانب استقبال شحنات من السودان وجيبوتي في محاولة لسد الفجوة في المعروض داخل السوق المحلي.
بينما يشير الدكتور مصطفى خليل، مستشار مشروعات الإنتاج الحيواني، إلى أن مصر اتجهت إلى تنويع مصادر استيراد الجمال عبر زيادة الاعتماد على دول مثل الصومال وجيبوتي، فضلًا عن بحث إمكانية التوسع في الاستيراد من أسواق أخرى مثل تشاد وموريتانيا.
كما يجري العمل على دعم الإنتاج المحلي وتشجيعه، إلى جانب الاعتماد الجزئي على بدائل بروتينية أخرى لتخفيف الضغط على سوق اللحوم.
إلا أن هذه التحركات، بحسب خليل، تواجه عددًا من التحديات، من بينها ارتفاع تكاليف النقل البحري، وطول مدة الشحن، والحاجة إلى تطوير بنية بيطرية وموانئ مجهزة بشكل أفضل لاستيعاب عمليات الاستيراد، وهو ما يحد من سرعة تأثير هذه البدائل على سد العجز في السوق.
ومع استمرار الحرب وتعقّد مسارات التجارة، تتسع الفجوة في سوق الجمال نتيجة تراجع الإمدادات من السودان، بما ينعكس على التجار والمستهلكين معًا.