يخرج محمود الجزار، جزار من مركز إدفو بأسوان، في رحلة يومية مع ساعات الفجر الأولى، متجهًا إلى مجزر البصيلية، أحد المجازر الخمسة التابعة للمركز شمال مدينة أسوان ويبعد عنه نحو 8 كيلومترات، بصحبة ماشيته لذبحها تمهيدًا لبيعها في محله بمدينة السباعية.
ويواصل محمود هذا الروتين اليومي الذي يزيد تعقيدًا في كل عيد أضحى، بسبب إغلاق مجزر السباعية -نصف آلي- الأقرب له منذ نحو 6 سنوات بدعوى التطوير، دون إعادة تشغيله حتى الآن.
ويُعد مركز إدفو أكبر مراكز محافظة أسوان من حيث المساحة، ويضم عدة مجازر، من بينها مجزر كلح الجبل الآلي الذي أعلنت وزارة التنمية المحلية عن بدء التشغيل التجريبي له خلال مايو الجاري، بعد 6 سنوات من أعمال التطوير بتكلفة بلغت نحو 21 مليون جنيه، إلى جانب مجازر البصيلية والحاجر والحصايا والرديسية وهي كلها مجازر يدوية.
يصف محمود رحلته لـ"عين الأسواني": "نضطر إلى التوجه إلى مجزر البصيلية في وقت مبكر من العيد لتفادي الزحام، ثم نعود مرة أخرى إلى المدينة نفسها للحاق بالزبائن"، مضيفًا أن إعادة تشغيل مجزر السباعية ستوفر عليهم عناء قطع مسافات طويلة يوميًا، خاصة في ظل اتساع مركز إدفو، وما يترتب على التنقل بين المجازر من تكاليف مادية قد تصل في حدها الأدنى إلى نحو ألف جنيه يوميًا.
أنواع المجازر
تمتلك أسوان قرابة 165.013 رأس ماشية حتى عام 2024، وفقًا لأحدث بيانات نشرة الثروة الحيوانية بجهاز الإحصاء، إلا أن أغلب المجازر الرسمية ما تزال تعمل بالنظام اليدوي أو النصف آلي؛ مما يدفع الجزارين والأهالي للذبح خارج تلك المجازر، ويعرضهم لمخاطر بيئية وضعف الرقابة الصحية على عمليات الذبح.
يوضح الدكتور منتصر ويليام، مدير إدارة الطب البيطري السابق، أن هناك فرقًا بين أنواع المجازر، مشيرًا إلى أن المجزر نصف الآلي مثل مجزر الشلال بمدينة أسوان يعتمد على إدخال الحيوان داخل صندوق أو قفص مخصص للذبح، بما يحد من حدوث النزيف الداخلي أو تدميم اللحم الناتج عن الربط العنيف في الذبح اليدوي.
ويضيف أن طريقة الغسل داخل المجازر تختلف أيضًا؛ ففي المجازر الآلية تُغسل الذبيحة وهي معلقة باستخدام رشاشات مياه مستمرة، بينما في الذبح اليدوي قد تتم عملية الغسل وهي على الأرض، ما يزيد من احتمالية تعرضها للتلوث.
- المجزر هو منشأة معتمدة ومجهزة وفقًا للشروط والمواصفات التي تحددها الجهات المختصة، بهدف فحص وذبح الحيوانات والتأكد من صلاحية لحومها للاستهلاك الآدمي.
تقول الدكتورة سهام زاهر، مديرة إدارة المجازر بمديرية الطب البيطري بأسوان، في تصريح لـ"عين الأسواني"، إن المحافظة تضم حاليًا 15 مجزرًا حكوميًا موزعة على مختلف المراكز.
وتوضح أن مركز أسوان يضم مجزرين، هما مجزر الشلال نصف الآلي، ومجزر أبو سمبل الآلي، بينما يضم مركز دراو مجزرًا آليًا واحدًا، في حين يحتوي مركز كوم أمبو على مجزر أبو وير اليدوي.
أما مركز نصر النوبة فيضم مجزر توشكى اليدوي، بينما يضم مركز إدفو خمسة مجازر جميعها يدوية باستثناء مجزر كلح الجبل الذي يُعد مجزرًا آليًا، مبينة: "المحافظة بها مجزرًا آليًا واحدًا فقط يقع في مدينة أبو سمبل، إلى جانب عدد من المجازر نصف الآلية، التي تعتمد على وجود خط سير تتحرك عليه الذبائح أثناء عملية الذبح، بينما تعمل المجازر اليدوية بالكامل وتعتمد طاقتها الاستيعابية على كفاءة وسرعة الجزارين".
تراجع وذبح بلا رقابة
يؤكد الدكتور منتصر، مدير إدارة الطب البيطري السابق، في حديثه لـ"عين الأسواني" أهمية إجراء الذبح داخل المجازر الرسمية الآلية، موضحًا أن الكشف الظاهري على الماشية قبل الذبح يساهم في اكتشاف بعض الأمراض التي قد لا تظهر بعد الذبح، مثل السعار و"التيتانوس والاستريوز"، وهي أمراض تستوجب إعدام الذبيحة.
ويضيف أن المجازر تعمل وفق اشتراطات صحية صارمة، تشمل التطهير اليومي، وتوفير كميات كبيرة من المياه، والذبح على أرضيات من الرخام أو الجرانيت للحد من التلوث، واختفاء تلك العوامل يهدد الصحة العامة.
تضم محافظة أسوان، وفقًا لبيانات نشرة الثروة الحيوانية الصادرة عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء في أحدث إصدار لعام 2024، نحو 24 مجزرًا حكوميًا، وخلال نفس العام ذُبح قرابة 61.609 رأس ماشية داخل المجازر.
إلا أن البيانات الرسمية لعام 2023 تشير إلى انخفاض إجمالي عدد الماشية المذبوحة في أسوان بنسبة 34.6%، حيث سجلت عمليات الذبح نحو 94.179 رأس ماشية.
ويأتي هذا التراجع بالتزامن مع انخفاض عدد المجازر داخل المحافظة، إذ تراجع العدد إلى 13 مجزرًا حتى عام 2025، وفقًا لبيان صادر عن محافظة أسوان.
لكن الدكتور منتصر يشدد على أن دور الطبيب البيطري يمتد إلى ما بعد عملية الذبح، من خلال فحص الأعضاء الداخلية مثل الكبد والقلب والرئة والرأس بدقة، للتأكد من خلوها من الأمراض مثل الصفراء.
وبعد التأكد الكامل من سلامة الذبيحة، تختم رسميًا، وهو ما يُعد الضمان الوحيد للمستهلك بأن اللحوم آمنة وصالحة للاستهلاك الآدمي، وفقًا لـ"منتصر" الذي يؤكد أن غياب المجازر الآلية يغيب تلك التشديدات.
مخاطر بيئية
يضطر أحمد عبدالرازق، جزار من مركز إدفو، التوجه إلى مجزري الحصايا والحاجر الأقرب إليه لذبح ماشيته. إلا أن هذه الرحلة تمثل عبئًا لكونها مجازر يدوية: "مجزر كلح الجبل الوحيد اللي نصف آلي لكنه بعيد، والمجازر اليدوية كلها متهالكة، حتى صالات وأماكن الذبح، مما يعطلنا عن إنجاز الذبح واللحاق ببيع اللحوم".
ويشير إلى أن الذبح في المجازر تمثل معاناة مضاعفة خلال عيد الأضحى، إذ يحتاج المجزر إلى تنظيم في عملية دخول وخروج سيارات الماشية، بجانب تطوير شبكات مياه الصرف الصحي بالمكان، التي لا تختلف عن أي ذبح داخل الأحواش التي يفعلها بعض الجزارين بحسب قوله.
يأتي ذلك في وقت يشير فيه دليل الاشتراطات البيئية لمجازر الماشية إلى حظر الذبح خارج الأماكن المخصصة التي تتوافر بها مجازر رسمية أو نقاط ذبح، استنادًا إلى قانون الزراعة رقم 53 لسنة 1966 المعدل بالقانون رقم 207 لسنة 1980.
وتنص المادة 143 مكرر من القانون على عقوبات للذبح خارج المجازر الرسمية، تشمل الحبس لمدة لا تقل عن سنة ولا تزيد على ثلاث سنوات، وغرامة لا تقل عن ألف جنيه ولا تزيد على 5 آلاف جنيه، أو إحدى هاتين العقوبتين، بالإضافة إلى مصادرة اللحوم والمضبوطات لصالح وزارة الزراعة.
وتعقيبًا على ذلك، توضح الدكتورة نرمين فيليب باحثة في جهاز شئون البيئة بأسوان، لـ"عين الأسواني"، أن تأثير المخلفات العضوية الناتجة عن ذبح الماشية يعتمد على مكان وكيفية التخلص منها، موضحة أن إلقائها في الشارع خطر ويحتاج إلى ردمها لتجنب تحللها في الهواء الطلق، وهو ما يحد من تجمع الحشرات والذباب والحيوانات الضالة التي قد تنقل الأمراض والجراثيم.
وهنا يوضح الدكتور منتصر أن المجازر الآلية تتميز بقدرتها على استغلال المخلفات بشكل أفضل، حيث تجمع وتجفف وتحول إلى أعلاف للحيوانات، وهو ما يسهم في حماية البيئة وتحقيق عائد اقتصادي في الوقت نفسه، لذا يشدد على ضرورة وجود مجازر آلية قريبة في كل منطقة.
تلك المعاناة تؤرق جابر مصطفى، مربي ماشية بمدينة أسوان، الذي يستعد كل عام مع اقتراب عيد الأضحى، لبيع الماشية التي قضى أشهرًا في تربيتها، إلى جانب ذبح بعضها خلال الموسم.
يقول لـ"عين الأسواني" إنه لا يتجه إلى مجزر الشلال بأسوان لكونه نصف آلي، نظرًا لبعد المسافة التي تستغرق نحو ساعة، بالإضافة إلى تكلفة نقل الماشية بسيارة خاصة، مشيرًا إلى أنه لا يرى اختلافًا في طريقة الذبح بين النصف آلي واليدوي.
أشارت الدكتورة منال عوض، وزيرة التنمية المحلية، في بيان صادر عن الوزارة في نوفمبر 2025، إلى وجود مشروع قومي لتطوير ورفع كفاءة المجازر الحكومية في مختلف المحافظات.
بينما يتسرب جابر وغيره من الجزارين من الذبح داخل المجازر إلى الشوارع، لعدم وجود فارق بين الاثنين، يقول: "المجزر نصف الآلي يعمل بشكل يدوي، وهي نفس طرق الذبح التي أعتمد عليها في الحوش الخاص بي، لذلك لا أضطر لقطع تلك المسافة".
وبين تراجع معدلات الذبح داخل المجازر، وواقع يفرض على أصحاب الماشية رحلات يومية في ظل تعطل افتتاح المجازر أو اللجوء للذبح المخالف، يستمر هذا التعطل في تشكيل مخاطر بيئية وصحية.