لم يكن الفيلم الوثائقي "تياترو النوبة" مشروعًا عابرًا أو فكرة وُلدت فجأة، بل جاء امتدادًا لتجربة عاشها جيل كامل من شباب القرى النوبية في أسوان. سعى صُنّاعه إلى توثيق تجربة المسرح المجتمعي في قرى التهجير، وهي تجربة وُصفت بالرائدة، إذ لم تكن المسارح المجتمعية معروفة في القرى المتاخمة لمناطق تهجير النوبيين، كما لم يسبق إنشاء مسرح يُقدَّم بإحدى لغات السكان الأصليين داخل مصر.
تعود البدايات إلى اهتمام المخرج عمرو عشري بمتابعة تسجيلات عروض مسرحية قُدمت في القرى الجنوبية بعد التهجير. كانت عروضًا بسيطة في شكلها، لكنها عميقة الأثر في الوعي الجمعي للأهالي: "كنا نشاهدها ونتفاعل معها باعتبارها جزءًا من الحياة اليومية، لا باعتبارها مشروعًا فنيًا منفصلًا".

ومع الوقت، تبلورت لديه فكرة توثيق هذه التجربة، إذ لم يكتف الفيلم برصد العروض المسرحية، بل يستعيد سياقها الاجتماعي والثقافي، ويضيء على دورها في الحفاظ على الهوية واللغة داخل مجتمعات أعادت بناء حياتها بعد التهجير.
وقد حظي "تياترو النوبة" مؤخرًا باختيار رسمي للعرض ضمن فعاليات الدورة الـ57 من معرض القاهرة الدولي للكتاب لعام 2026، كما نال جائزة التميز التي تُمنح للمشروعات المنفذة من مؤسسات المجتمع المدني والأفراد، في الرابع من فبراير الماضي، تقديرًا لقيمته التوثيقية والثقافية.
بداية الفكرة
في عام 2021، مرّ المخرج عمرو عشري بلحظة مفصلية بعدما وصلت إليه معلومة غيّرت نظرته تمامًا إلى تجربة المسرح في القرى النوبية، ودفعته للتفكير جديًا في تحويل هذا الإرث الشفهي والمجتمعي إلى فيلم يوثّقه قبل أن يتلاشى.

يوضح عشري: "في الثمانينيات كانت العروض تُقدَّم بتذاكر مدفوعة، وكان الناس يذهبون خصيصًا لشرائها ولم تكن تلك المعلومات معروفة لدى الجميع". هنا بدأ السؤال الحقيقي الذي حرّك صُنّاع الفيلم: كيف نجح أبناء القرية أنفسهم في إقناع جمهور يعرفهم معرفة شخصية بدفع مقابل مادي لمشاهدة عرض مسرحي؟".
السؤال بدا أكثر إلحاحًا عند مقارنته بالواقع الحالي، وفق عشري لـ"عين الأسواني" حيث تُقدَّم الفعاليات داخل القرى مجانًا، ومع ذلك تواجه صعوبة في جذب الجمهور وإقناعه بالحضور.
تجربة رائدة
يوضح عمرو عشري أن ما يُعرف اليوم بـ"المسرح المجتمعي" في القرى النوبية لم يبدأ كمفهوم نظري أو مبادرة مؤسسية، بل جاء لاحقًا لوصف حركة فنية كانت قائمة بالفعل قبل التهجير. يشير إلى أن النوبيين بطبيعتهم منفتحون على الفنون والثقافات المختلفة، خاصة أن عددًا منهم عملوا في قصور الملوك، مما أتاح لهم الاحتكاك بعروض مسرحية وموسيقية متنوعة.
وبحسب شهادات ضيوف الفيلم، لم يولد المسرح في النوبة داخل قاعة مغلقة أو على خشبة تقليدية، بل خرج من قلب طقوس الأفراح. على سبيل المثال قبل ساعات من حفلات الزفاف في النوبة، كانت فرقة الكشافة تجوب شوارع القرية، في مسيرة منظمة يتقدمها حاملو الطبول وآلات النفخ النحاسية.

يضيف عشري: "بعد وصول المسيرة، يبدأ شخص بإلقاء مونولوجات ونكات مرتجلة في حلقة يلتف حولها الناس،لم تكن هناك منصة أو ديكور، بل مساحة يصنعها الجمهور نفسه، ومع الوقت، تطورت الفقرة إلى تابلوهات واسكتشات قصيرة، لتصبح البذرة الأولى للمسرح المجتمعي في القرى النوبية".
كواليس التصوير
وعن كواليس التصوير، يروي عشري أن أكثر ما أثر فيه كان كرم الضيافة الذي أبداه أهالي القرى وقت التصوير: ""كانوا يصرون على الترحيب وتقديم الواجب، بل ساعدونا أيضًا في الوصول إلى الشخصيات وجمع المواد الأرشيفية".
وكان الأرشيف أحد أكبر التحديات التي واجهت الفريق. لأن المواد لم تكن محفوظة في مكان واحد، بل موزعة بين تسجيلات صوتية على شرائط كاسيت، ومقاطع فيديو قديمة، وصور ووثائق يحتفظ بها أفراد داخل منازلهم.
أما عن استخدام اللغة النوبية في الفيلم، يؤكد عشري أن الأمر جاء طبيعيًا، "لأنها لغة الناس وحياتهم اليومية"، فضلًا عن كونه خيارًا شخصيًا يعكس روح التجربة نفسها. ويوضح أن الفيلم يتضمن ترجمات بعدة لغات، ما يجعله مفهومًا لجمهور أوسع دون أن يشكل ذلك عائقًا.
أنجزت النسخة الأولى من الفيلم عام 2021 لكن تحديات الإنتاج جعلت العمل عليه مستمرًا حتى نهاية 2023، إلى أن حصل صناع الفيلم على منحة من برنامج "تاندم أمواج" للمنح الصغيرة، والذي أتاح استكمال العمل ليخرج الفيلم إلى النور مطلع عام 2024.
إشادة وترحيب
وخلال يونيو 2024 بدأ العرض الأول للفيلم في قرية أبو سمبل، ووفقًا للمخرج استقبله الأهالي بترحيب واسع وتفاعل مباشر؛ أما العرض الثاني كان في القاهرة ضمن فعاليات معرض القاهرة الدولي للكتاب خلال الفترة من 21 يناير إلى 3 فبراير 2026، ومع إتاحته لاحقًا عبر الإنترنت، اتسعت دائرة المشاهدة.
حاليًا يعمل عشري على مشروع جديد يوثق الألعاب النوبية، بدعم من منحة مقدمة من اتحاد المعاهد الثقافية الأوروبية، في محاولة لاستكمال الاشتغال على التراث غير المرئي.
ويختتم بنصيحة يوجهها لكل صانع أفلام يرغب في تناول تجربة مجتمعه: "راقب ما يشغل الناس، الفكرة الحقيقية ليست ما نختاره نحن بل ما يعيشه المجتمع يوميًا".