خاضت آلة الطنبورة رحلة هجرة طويلة مع أصحابها من النوبيين خلال التهجير الأول عام 1902، بالتزامن مع التعلية الأولى لخزان أسوان، وحين استقر النوبيون في مدينة السويس، حملوا معهم آلتهم الموسيقية التي لم تكن مجرد خشب وأوتار، بل ذاكرة وهوية.
هناك تعرّف أهالي السويس على الطنبورة، واتخذوها رمزًا للمقاومة والصمود، وغيّروا اسمها إلى السمسمية، مضيفين إليها عددًا من الأوتار، ليُغنّى به "يا بيوت السويس" وغيرها من الأغاني التي ارتبطت بالمدينة وتاريخها النضالي.

ورغم التطور الكبير الذي شهدته الآلات الموسيقية وتعدد أشكالها الحديثة، لا تزال آلة الطنبورة تحتفظ بمكانة خاصة في وجدان أهل الجنوب، بوصفها حاملًا للذاكرة والهوية، لا مجرد أداة للعزف، وفي أسوان، ما زالت الطنبورة تُصنَّع يدويًا، محافظة على طابعها الأصيل، من الخشب حتى الأوتار.
يأخذنا الحاج أحمد عبد الماجد، 62 عامًا، صانع وعازف للطنبورة من نجع عزبة العسكر بأسوان، في رحلة حول تاريخ هذه الآلة من الهجرة إلى الاستقرار، وعن علاقتها بالنوبيين وتحولاتها عبر الزمن.

تاريخ أصيل للطنبورة
يضرب تاريخ الطنبورة في الثقافة النوبية بجذورٍ عميقة، وفقًأ لعبد الماجد، حيث تنوّعت استخداماتها عبر الزمن، إذ عُزفت عليها القصائد والأناشيد الدينية مع دخول النوبيين الإسلام، قبل أن يمتد حضورها إلى الأغاني بمختلف أشكالها مع تعاقب الأجيال.

يضيف: "الطنبور النوبي ينقسم إلى نوعين رئيسيين: الكنزي والفاجيكي، ويختلفان في طريقة شدّ الأوتار؛ حيث تُرخى أوتار الفاجيكي قليلًا، بينما يكون الكنزي أكثر شدًّا، كما يُطلق النوبيون على الطنبور اسم كِسر، وكان يتكوّن في الأصل من خمسة أوتار، قبل أن تُضاف أوتار أخرى في بعض المناطق، وصولًا إلى آلة السمسمية التي يزيد عدد أوتارها وقد تصل إلى 12 وترًا".
وعن علاقته بالآلة، يقول عبد الماجد إنه بدأ العزف على الطنبورة في سن العاشرة بقرية جزيرة هيصة، وتعلّمه تدريجيًا حتى أصبحت جزءًا أساسيًا من حياته.

صناعة الطنبورة
تُصنَع الطنبورة من جلد الجمال لكونه الأكثر ملاءمة، إذ يتميّز بصلابته وقلة تأثّره بالبرودة والمياه مقارنة بجلود الماعز والأبقار، كما لا يتلف عند حفظه في الثلاجة لفترات طويلة، ويجري تجهيز جلد الجمل بنقعه في الماء مع إضافة ملح رشيد ومكوّنات أخرى، ثم يُترك ليجف تحت أشعة الشمس لمدة ثلاثة أيام، قبل أن يُدهن بالحنّاء التي تسهم في تقوية الجلد وزيادة تماسكه.

في الماضي، كانت تُصنع الطنبورة من طبق خشبي فقط، أما الآن يضاف إليها طبق معدني يُثبت عليه جلد الجمل، ويُثقب الجلد بعناية، ثم يُزيَّن الطنبورة بألوان مختلفة تحمل الطابع النوبي، أو يُترك الجلد مدهونًا بالحناء حسب رغبة صاحب الطنبورة.

بعد تثبيت الجلد وخياطته، تُضاف أعواد من الخشب لترتيب الأوتار عليها وفق التسلسل الموسيقي، ويقول الحاج أحمد: "للطنبورة أوتار ذات معنى وترتيب محدد كسلم موسيقي، وبرغم أنني لا أجيد القراءة والكتابة، فإن النغمة ثابتة في ذاكرتي منذ تعلمي العزف على الطنبورة في قريتي جزيرة هيصة، سواء كانت طنبورة كنزي أو فاجيكي، تدربت عليهما، وبناءً على ذلك أرتب الأوتار عند صناعة الطنبورة".

تستغرق صناعة الطنبورة الواحدة يومًا لتركيب الجلد وخياطته، ثم تُترك لتجف تحت أشعة الشمس لثلاثة أيام، حتى يلتصق الجلد جيدًا، كما تساهم شمس أسوان الحارقة في تثبيت الجلد بشكل متين، ما يجعل الطنبورة جاهزة للعزف عليها.

بعد الانتهاء من صناعتها، يخرج أحمد في جولات خارج أسوان حاملاً الطنبورة، وغالبًا ما يظن الناس أنه يعزف على السمسمية. حينها يروي لهم قصة رحلة الطنبورة من أسوان إلى السويس، ويؤكد أنها آلة نوبية قديمة، خُلِّدت نقوشها على جدران المعابد في أسوان.

اندثار الطنبورة
بدأت الطنبورة في الاختفاء تدريجيًا مع ظهور آلات موسيقية حديثة مثل العود والأورج، فأصبح كثيرون لا يعرفونها، خاصة صنّاعها، إذ لم يعد يجيد صناعتها سوى قليلون.

ويوضح الحاج أحمد: "بعد انضمامي إلى مدرسة أسوان للموسيقى، التي تهدف إلى تعليم الشباب الموسيقى مجانًا والعزف على آلات متنوعة من بينها الطنبورة، وجدتها فرصة حقيقية لإحياء هذه الآلة".

رغم ذلك لا تزال الطنبورة محببة للجميع، بل تجذب السائحين أيضًا، إذ يحرص كثير منهم على اقتنائها خلال زيارتهم لأسوان وحملها إلى بلدانهم، لذا يستمر أحمد في صناعتها.