"مشاعر ممزقة".. عباس حمزة صوت من الجنوب لا يخفت

الشاعر عباس حمزة

كتب/ت فاطمة محمد
2025-09-01 13:40:19

على ضفاف النيل في الجنوب، حيث تنبع الكلمات من صفاء الطبيعة الأسوانية، يطل الشاعر الستيني عباس حمزة، الذي يكتب كمن عاش ألف عام، نضجت قصائده على وهج التجربة وقسوة العيش، وظلّت الكتابة عنده وطنًا لا يزاحمه فيه شيء.

"أنا أترك الكتابة تأتي إليّ، لا أفرض عليها حضورًا"، نهج اتبعه في ديوانه "مشاعر ممزقة" الذي فاز في يونيو الماضي بمسابقة أشرف بدير الأدبية، وهي مسابقة غير حكومية، أطلقها الأديب والروائي أشرف بدير، ومن المقرر أن يُطبع الديوان قريبًا على نفقة منظّمي الجائزة.

خلف هذا الفوز نجد رحلة طويلة من التحديات، عاشها الشاعر عباس حمزة بين ضجيج الواقع وصراعاته اليومية، فلم يكن الطريق إلى نشر دواوينه الشعرية مفروشًا بالورد، بل احتاج إلى صبر سنوات.

"مشاعر ممزقة".. حقيقي أم وهم؟

عندما قرر عباس حمزة المشاركة بديوانه الأخير "مشاعر ممزقة" في مسابقة أشرف بدير الأدبية، لم يكن يتوقع الفوز: "لم أكن واثقًا من ذوق لجنة التحكيم، ربما لا يحبون الفصحى، أو لا يريدون قراءة شيء عن مشاعري أنا، بل عن الوطن ورغم ذلك شاركت دون توقعات".

لكن الديوان، الذي كُتب على مدى خمس سنوات، وجد طريقه إلى التقدير: "الديوان هذه المرة جاء مشحونًا بهموم شخصية ووطنية تمتد من يناير 2011، إلى الغلاء والحروب، وكل ما مزّق الوجدان".

ويضيف: "الديوان يعبر عن كل شيء مررنا به والذي يعد مشاعر ممزقة، حتى أني أطرح على نفسي فيه أسئلة: هل أنا على صواب؟ هل ما أراه حقيقي أم كوابيس؟".

يشير عباس إلى أن ما يجعل مسابقة أشرف بدير مختلفة أنها تعطي فرصة حقيقية لأي مبدع، دون النظر للاسم أو الشهرة: "كانت تجربة إيجابية للغاية".

بداية حمزة قبل منتصف الليل

بدأ عباس حمزة رحلته مع الشعر في سن العشرين، وتحديدًا أوائل الثمانينيّات وعلى مدار أكثر من أربعة عقود، ظلّ وفيًا للكلمة: "البداية كانت مع كتابة الشعر بشكل تجريبي لكن مع القراءة للكثير من الشعراء أحببت الأمر واكتشفت موهبتي".

في بداياته الشعرية، تأثر عباس حمزة بالشعر الجاهلي، خصوصًا عنترة بن شداد، كما وجد في أشعار أحمد شوقي وحافظ إبراهيم مصدر إلهام دائم، وكان يواظب على قراءة أعمالهم.

لكن ذلك الإيقاع الإبداعي تراجع بعد التخرج، حين دخل معترك الحياة العملية، وانشغل بتكوين أسرته، حيث عمل في وظيفتين ولم يكن يومه ينتهي قبل منتصف الليل: "لكن خلال هذه الفترة لم أتوقف عن القراءة، كنت أغذي لغتي ومفرداتي استعدادًا للعودة".

وجاءت تلك العودة بالفعل عام 2000، حين أصدر أول دواوينه "دقات على باب القلب"، معلنًا بداية مرحلة جديدة في مسيرته الشعرية، ثم أصدر "دفء الأصابع" عام 2004، وتبعه بـ "حكاية جسد" عام 2015، الأوفر حظًا في الانتشار وفقًا له، إذ نوقش في أكثر من فعالية ومكان ثقافي.

وعن لحظات الدعم الأولى، يسترجع: "محمد هشام زقالي شاعر أسواني، كان أول من شجعني بعد انضمامي إلى نادي الأدب في أسوان"، واليوم، أصبح حمزة من الأصوات الشعرية الراسخة في المشهد الثقافي الأسواني ويردّ هذا الجميل: "أنا الآن أمارس الدور نفسه مع الشباب، أشجعهم على الكتابة ونشر أعمالهم".

البيئة الأسوانية سر جوائزه

سبق أن شارك حمزة خلال العام الماضي في مسابقة إقليم جنوب الصعيد بقصيدة بعنوان "أنا الآخر"، والتي جسّدت حوارًا داخليًا بين الإنسان وذاته أمام المرآة، وحازت القصيدة على المركز الثالث.

يؤمن حمزة بأن البيئة الأسوانية تشكل مصدر إلهام لا ينضب: "كل شيء في أسوان يدفعك للكتابة، عاصرت بناء السد العالي، وأيام جمال عبدالناصر، وكان هناك شحنة حب للوطن والتكاتف العربي كل ذلك شكّل وعيي الشعري".

ورغم ما تحمله أسوان من غنى ثقافي، يرى أن شعراء الوجه البحري يحظون بفرص أكبر للانتشار والاعتراف، لذا يأمل في أن تتسع دوائر النشر والتكريم لتشمل محافظات الصعيد بعدالة أكبر، أو أن تُخصص جوائز أدبية خاصة لأدباء الجنوب، تعيد التوازن إلى المشهد الثقافي المصري.

وفي ختام حديثه، وجّه عباس حمزة رسالة إلى الشعراء الشباب في أسوان، دعاهم فيها إلى القراءة المستمرة، ليس فقط في الأدب، بل في السياسة والفكر والثقافة عمومًا، معتبرًا أن "كل كتاب يحمل فكرة، وقد تكون شرارة الإلهام في جملة مهملة".

بكلمات منفتحة على الذات، ومحملة بمشاعر الوطن والإنسان، يواصل عباس حمزة رحلته في دروب الشعر، لا يحمل فيها سوى قلمه وصدق إحساسه.

وبينما تستند تجربته السابقة إلى الفصحى كوعاء للتعبير، فإنه اليوم يخطو نحو العامية، ساعيًا إلى اكتشاف صوت آخر يسكنه، وكأن الشعر لا يتوقف عند لغة بعينها، بل عند القلب الذي يُصدّق ما يكتب.



الشاعر عباس حمزة