آمال حسن.. حوّلت المكتبة المدرسية من غرفة إلى ساحة للمعرفة

صورة أرشيفية لآمال حسن

كتب/ت عمار جودة
2025-08-06 12:30:04

منذ أن خطت أولى خطواتها في عالم المكتبات، لم تكن آمال حسن ترى في رفوف الكتب مجرد مصادر معرفة صامتة، بل أبوابًا مفتوحة نحو الإبداع والتغيير، لم تكتفِ بدور تقليدي لأمينة مكتبة، بل جعلت من المكتبة المدرسية في قرية المفالسة بمحافظة أسوان، مركزًا نابضًا بالحياة، يخرج منه الطلاب أكثر شغفًا، وثقة، وقدرة على التعبير.

آمال حسن، أخصائي أول مكتبات مدرسية بمدرسة المفالسة الإعدادية في إدارة إدفو التعليمية، وباحثة دكتوراه في علم المكتبات والمعلومات بجامعة المنصورة، بدأت رحلتها المهنية عام 2012، ومنذ ذلك الحين حملت على عاتقها مسؤولية تحويل المكتبة من مكان مهمل إلى بيئة تعليمية محفّزة، تتبنّى المواهب وتنمّيها.

مؤخرًا توّج هذا الجهد بفوزها بالمركز الأول على مستوى الجمهورية في جائزة زينب مشهور لعام 2025، عن بحثها المعنون: "الابتكار في المكتبات المدرسية: برنامج مقترح للتطوير (دراسة ميدانية)"، وهو بحث يعكس خلاصة تجربتها وتطلعاتها لمكتبة مدرسية أكثر تطورًا وتأثيرًا.

آمال حسن

تهدف جائزة "زينب مشهور" إلى تكريم النماذج المتميزة من المكتبات المدرسية التي تقدم خدمات نوعية، وتوظف أدوات حديثة مثل التوعية الرقمية ومسابقات القراءة، في إشارة إلى الدكتور زينب نور الدين مشهور، مدير عام المكتبات في وزارة التربية والتعليم.

لم تكن تلك التجربة فردية، بل أصبحت نموذجًا يُحتذى به، حيث وظّفت آمال الأنشطة المكتبية لفتح مساحات آمنة للطلاب للتعبير عن أنفسهم، واكتشاف قدراتهم، وخلق حوار بنّاء بين المدرسة والمجتمع المحلي.

مسابقة زينب مشهور

في مواجهة تحديات الواقع، وقفت آمال حسن، لتبرهن أن الإبداع في البيئة التعليمية لا يحتاج إلى ميزانيات طائلة، بل إلى إيمان حقيقي بدور المكتبة، ورؤية ترى في المساحات الصغيرة بذورًا لأحلام كبيرة.

تقول آمال إن الدافع الأول للمشاركة في الجائزة كان إيمان أستاذها الدكتور مجدي الحاكي، بما تقدمه على أرض الواقع، وتشجيعه لها على تحويل هذه التجربة إلى بحث منهجي يضع يد المعنيين على إمكانات التطوير من داخل المدرسة نفسها.

ورغم ما وصفته بـ"محدودية الإمكانيات"، تمكّنت آمال، بدعم المدرسة وزملائها، من تطبيق نتائج دراستها للماجستير، وتصميم نموذج عملي يعالج هذه الفجوة بين النظرية والتطبيق، وكان التحدي الأبرز بالنسبة لها هو تكييف الأدوات والأنشطة لتلائم البيئة الواقعية، لكن التجريب والمتابعة الدقيقة كانا سبيلها لتجاوز العقبات.

جاء مشروعها البحثي الفائز ليعكس هذا الجهد، إذ يقدّم برنامجًا مقترحًا لتحويل المكتبة إلى بيئة تعليمية جاذبة عبر أنشطة غير تقليدية، من بينها: "القراءة السحرية"، "اقرأ لي"، "اقرأ مع خوخة"، و"أسرتي في مكتبتي"، إلى جانب ورش الوعي الأثري، والمعارض والمحاضرات، كلها أدوات بسيطة، لكنها موجهة بعناية لعقل الطالب، تفتح أمامه نوافذ جديدة للتعلّم، وتمنحه صوتًا داخل المؤسسة التعليمية.

وعن لحظة إعلان فوزها بالمركز الأول تروي: "لم أتمكن من حضور الحفل لظرف إنساني، لكن اتصال الدكتورة زينب مشهور لإبلاغي بالفوز كان من أكثر اللحظات التي أثّرت بي، شعرت وقتها أن سنوات من الجهد والتعب تُوّجت أخيرًا بالتقدير الحقيقي".

كانت مكتبة مدرسة "المفالسة" مجرد غرفة صامتة تصطف فيها الكتب على الأرفف، ولكن تحوّلت، بفضل آمال إلى مساحة تعجّ بالحركة، والحوار، والاكتشاف: "قبل التطوير، كان الحضور ضعيفًا والتفاعل محدودًا، أما بعده، فقد أصبحت المكتبة محورًا لأنشطة الطلاب، واستعادوا شغفهم بالقراءة من خلال البرامج التفاعلية المكتبة صارت مساحة للتعبير والاكتشاف والتفكير النقدي".

مواقف لا تنسى

في رحلة آمال حسن مع المكتبة المدرسية، لم تكن الإنجازات مجرّد أرقام أو خطط مطبّقة، بل لحظات إنسانية صنعت الفرق، تتذكّر واحدة منها وكأنها حدثت بالأمس، حين رأت طلابًا يتحوّلون أمام عينيها من العزوف عن القراءة إلى الشغف بها.

كانت تلك اللحظة بالنسبة لها أكثر من مجرد نجاح، لكنها لم تكتفِ بممارسة دورها اليومي، بل اختارت أن تعمّق فهمها للمهنة، وواصلت دراستها حتى وصلت إلى درجة الدكتوراه، لأن المعرفة بالنسبة لها ليست فقط وسيلة، بل شغف ومسار حياة.

شاركت آمال مؤخرًا في تعاون ثقافي مع مكتبة سليمان الأغا في غزة – فلسطين، ضمن بروتوكول "المكتبات تجمعنا وتعزز عروبتنا"، حيث نُفِّذت مجموعة من الأنشطة المشتركة مثل: "أمير وأميرة الوعي الإلكتروني"، "الوعي الأثري"، ورش القراءة، وتبادل العادات والثقافات، وتقول عنها: "كانت تجربة غنية، عمّقت لدى الطلاب الشعور بالانتماء العربي، وأثرتهم ثقافيًا وإنسانيًا".

بعين الباحثة وحنكة الممارسة، لا تتوقف آمال عند ما تحقق، بل تخطط للمرحلة القادمة، حيث تسعى لتعميم ما أثبت نجاحه، والانفتاح على أدوات جديدة مثل الذكاء الاصطناعي التوليدي، وتعزيز التعاون مع مكتبات أخرى داخل مصر وخارجها.